هذا تعقيب على سؤال الذي طرحته  حول علوم الإنسان والفلسفة.

لن أتكلّم في هذا الموضوع لأنّ شهادتي مجروحةٌ كما يُقال، لكنّي أريد أن أوضح نقطةً: قد يقول قائل إنّنا لم نهمل هذه الاختصاصات بدليل كثرة المتخصصين فيها الذين يتخرّجون سنويًّا.

الجواب هو أنّ هذه الكثرة هي مجرّد كثرةٍ عدديّةٍ لا قيمة لها، كان همّها أن تأخذ الشهادة لا أن تبدع فيها. وينطبق ذلك على حملة الدكتوراه الذين يعالجون موضوعاتٍ تافهةً بقصد التفرّغ في الجامعة وليس بقصد الإبداع. من هنا لم نعد نجد أعلامًا ناجحةً في هذه الاختصاصات، مع أنّ الأوضاع المادية للأستاذ الجامعي قد تحسّنت كثيرًا. إنّ علوم الرّوح، وعلى رأسها الفلسفة، هي التي تبني الشخصيّة البشريّة وتبني الحضارة بما هي حضارةٌ غائيّةٌ تطرح مسألة المعنى من الوجود البشري، بدليل أنّ هناك دولًا عربيّةً كانت قد تقدَّمت كثيرًا في علوم المادة كالعراق-صدّام حسين، لكنّها تفجّرت من الداخل بعدما تبيّن أنّ ذلك البنيان هو مجرّد بنيانٍ يتعلّق بشخصٍ، إذ بقي الشّعبُ متخلِّفًا جدًّا. لننظر فقط إلى أساتذة الجامعة كيف يتبعون-رجل دين ذا ثقافةٍ ضحلةٍ، وذا دراسةٍ حوزويةٍ بدائيّةٍ، عندئذٍ نعرف لماذا علوم المادة وحدها لا تكفي.

إنّ الحضارة الرّاهنة إلى زوالٍ لأنّها فقدت قوّة الدفع الفكريّة، حيث تعاني البشريّة، اليومَ، من شُحٍّ في إنتاج الأفكار، بحيث نرى من جديدٍ انتشار الخرافة والشعوذة، حتى في الدول المتقدمة، وانتشار التعصّب، أيًّا تكن الأسباب، فمكتسبات الحضارة التي بنتها أجيالٌ من المفكرين منذ ما قبل الثورة الفرنسيّة، تكاد تتلاشى. وبالمناسبة فإنّ مفكري الثورة الفرنسيّة من أمثال روسّو وڤولتير ومونتسكيو كانوا قد ماتوا جميعًا قبل اندلاعها، ومع ذلك فإنّ أفكارهم أثمرت بعد اندلاعها، وهذا ما لم يتيسّر للشعوب العربية التي تحرّكت، في الرّبيع العربي، بشكلٍ عفويٍّ مُنشدةً التغيير، لكن عندما تمّ التغيير، استبدلنا نظامًا متخلِّفًا واستبداديًّا بنظامٍ شبيهٍ، أو استبدلنا نظامًا بنظامٍ قديم؛ لأنّ قيم الحداثة لم تكن قد ترسّخت بعدُ، فقد عادت الشعوب إلى تيّاراتٍ وتنظيماتٍ لا تفقه أسس الحداثة، باستثناء ما جرى في تُونس لأنّ زين العابدين بن علي كان قد بذل جهدًا كبيرًا في تعليم الشعب التونسي وتثقيفه، وبسبب التواصل المستمر بين تونس وأوروبا، وتحديدًا فرنسا، رغم أنّ زين العابدين أساء الى بلده في جوانبَ كثيرةٍ عندما حوّل البلد إلى ملكيّةٍ مقنّعة.

 باختصارٍ، ما يبني الحياة الرّوحيّة للشعوب هي علوم الرّوح وعلى رأسها الفلسفة لأنّها بمثابة مصنعٍ دائمٍ للأفكار الجديدة التي لا غنًى للمجتمعات عنها. فكما لا تستطيع المدينة أن تعيش من دون ماءٍ ولا طعامٍ ولا عمرانٍ، فإنّها لا تقوم من دون أفكارٍ. إنّ تأسيسَ النظام السياسيّ أو الاجتماعي لا يعود إلى علوم المادة، وتحديدَ غايات المجتمع وابتكارَ أنماط الوجود الخاصة بكل فرد لا تقوم به أيضًا علوم المادة. فأيّ ديمقراطيّةٍ نجدها في المختبرات؟ إنّ تأسيس المدينة شأنٌ رئيسٌ من شؤون مفكرين مؤسِّسين أو بالأحرى شأنٌ من شؤون سياسيّين مؤسِّسين مستنيرين. وهذا ما لم يتوفر في مجتمعاتنا العربيّة. والحضارة لا تنتشر بالسيف وإن بدا ذلك للوهلة الأولى. وهذا خطأٌ شائعٌ جدًّا. إنَّ الحضارة لا تنتشر إلّا بأفكارها، إلّا بزخمها الفكري وحماسها للتغيير. فالاستعمار لم يفعل فعله إلّا لأنّ هناك أفكارًا جديدةً ومثيرةً للانتباه كانت تصاحبه وتترافق معه.

 مثلًا، لا يمكن تصور فرنسا من دون ديكارت بما هو الفيلسوف الذي يركزّ على التفكير العقلاني وعلى الوضوح والتميّز في الأفكار، أو من دون سارتر بما هو الفيلسوف الذي ركّز على حرّية الانسان. والحضارات الصاعدة الآن كالصينية لن تنتشر لأنّه ليس لديها ما تقدمه من أفكار للشعوب سوى الأفكار الحداثوية الغربيّة. فالصين واليابان لا تصنعان ثورةً في علوم الرّوح اذ لا يكفي أن تتقدّما علميًّا.

 وبالمناسبة عندما غزا المغول بغداد ورموا بكتُبُها إلى نهر الفرات إلى درجةٍ تغيّر لونُه، لم يستطيعوا أن يبنوا حضارةً متمايزةً من الحضارة العربيّة المغلوبة، فانتصرت من جديد الحضارة العربية على المغول المنتصرين عسكريًّا. وهذا ما حصل مع العثمانيين المنتصرين. إنّ التقدم في علوم المادة يزول ويتلاشى ويفقد أثره ما لم يصاحبه أو حتى يسبقه تقدُّم في علوم الرّوح. 

(نصٌّ كتبته من ثلاث سنوات)