الامام بمفهومي ومعه كل الائمة والقديسين وقبلهم الانبياء ليس من وظيفتهم ولا دورهم محاربة الأوبئة أو الأمراض والكوارث الطبيعية وما إلى هنالك من سنن الطبيعة.
 

تدحرجت مقاربة البيئة الشيعية وبالخصوص منها المرتبطة ايديولوجيا بالجمهورية الاسلامية في إيران، لموضوع انتشار وباء الكورونا، فبالمرحلة الأولى لم تستسغ عقول "أشرف الناس" بأن جمهورية الامام المهدي(ع)، والفرقة الناجية الطاهرة المطهرة يمكن أن تصاب كما باقي البشر بوباء فيروسي، بكونها فرقة ناجية ليس فقط بالآخرة وإنما ناجية حتى بالدنيا ومن أي نوع من أنواع الأعداء والأوبئة كما الفشل الاقتصادي والفقر يأتي من ضمنها، فعمدت هذه البيئة كردة فعل أولية إلى حالة الانكار والنفي القاطع، وأن كل ما يقال في هذا الصدد لا يعدو أكثر من دعاية مغرضة يبثها الأعداء للنيل من سمعة وعظمة الجمهورية الاسلامية  حتى إذا ما صار الأمر حقيقة لم يعد ينفع معها الإختباء، وانتشر الكورونا كما في كل مكان من العالم، وأصاب من بين ما أصاب حتى المراقد المقدسة لأهل البيت في العراق وإيران فضلا عن الحوزات الدينية ومراكز المرجعيات الكبرى في قم والنجف، مما شكل صدمة عقائدية وفكرية عند المذهبيين الشيعة، لا زالت تبعاتها حتى اللحظة، بين من يرفض الإقرار بالأمر الواقع معتبرا أن اللجوء إلى الأساليب الوقائية من تعقيم وكمامات وقفازات وما إلى هنالك هو بمثابة أساءة لمقامات أهل البيت بكونهم هم الملجأ والملاذ للشفاء والعلاج بحسب الفهم المذهبي لآل البيت عليهم السلام ! 

 

أما وقد فرض الوباء نفسه وصار انتشاره حقيقة لا مفر منها، وبدأ عداد الإصابات يخرج إلى العلن، وأقفلت المقامات والأضرحة وسكتت المرجعيات وفتاواها، كان لا بد للعقل الشيعي اختراع دفاعات عن المذهب وعن الجمهورية الاسلامية كبديل عن العجز والضعف عن اختراع لقاح لدفع خطر الفيروس، فالتجأ العقل الدعائي الهزيل يبث أخبارا شبه يومية بتوصل الجمهورية الاسلامية ومختبراتها العظيمة إلى اكتشاف لقاح للكورونا، طبعا الخبر عادة يكون مرافقا بالتأكيد على عظمة إيران التي لا تقهر وعلى اعتمادها على علم أهل البيت مصحوبا بالصلاة على محمد وال محمد !!

 

 إلا أن الأيام أثبتت أيضا  أن كل تلك الأخبار ما هي إلا نتاج عقل دعائي فارغ لا يمت إلى الواقع بصلة.

 

إقرأ أيضًا: لماذا يجب أن نصفق للوزير حسن؟

 

الآن وبعد تهافت كل تلك المراحل ومحمولاتها وتهافت كل أنواع الدعاية والأخبار الكاذبة، وتحطم نظرية المؤامرة الاميركية والإسرائيلية بعد وصول أعداد الاصابات في كلا الدولتين إلى أرقام مهولة، لم يتبق أمام عقل المذهب الشيعي إلا اللجوء ألى الامام المهدي كمنقذ للشيعة وللبشرية من هذا الوباء، فبتنا نسمع بالقرى والضيع الشيعية نداءات تستصرخ الامام المهدي من على المآذن والسيارات المتنقلة، وكثرت التسجيلات والفيديوات عبر التواصل الاجتماعي، والتي تحث المؤمنين للجوء إلى الامام المهدي الذي من خلاله فقط سيكون السبيل الى التخلص من الكورونا !! 

 

 

قد أتفهم واستسيغ معنى أن يلجأ الإنسان إلى الغيبيات والانبياء والقدّيسين في لحظة الضعف وحين البلاء، وهذا أمر فطري طبيعي، إلا أن ما أود أن أعلق عليه ها هنا ولضرورة أراها لا بد منها، هي الخوف من وصول الأمر ألى تشويه غير المقصود ربما لصورة ووظيفة الامام المهدي عليه السلام.

 

فالأمام بمفهومي ومعه كل الائمة والقديسين وقبلهم الأنبياء  ليس من وظيفتهم ولا دورهم محاربة الأوبئة أو الأمراض والكوارث الطبيعية وما إلى هنالك من سنن الطبيعة، وهذا يعتبر تحريفا خطيرا لمفهوم الامام المهدي الذي أكدت كل الروايات والاحاديث بأن له وظيفة واحدة وهي إقامة العدل ( يملأ الارض قسطا وعدلا ... )، وبالتالي فإن تصوير الامام المهدي وكأنه صاحب مختبرات ومركز ابحاث بيولوجي وبأنه يحمل لقاح الكورونا  في جيبه وبأن نفس ظهوره المبارك والمنتظر هو السبيل للخلاص من الوباء، فيه الكثير الكثير من التجني والتشوية، فالامام المهدي، هو إمام العدل والساعي خلف تحقيقة وأن كل من يدّعي الانتماء إليه ويدّعي انتظار فرجه من دون أن يكون حاملا للواء العدل ورافضا لكل أنواع الظلم والظالمين والمستبدين والفاسدين واللصوص بحجة المصلحة الحزبية مرة أو تحت مسمى ضروريات المرحلة مرات ومرات فهو لا يمت إلى الامام المهدي بأي صلة حتى لو "طوش" الدنيا بصراخه ونداءاته لتعجيل فرجه، وأكثر من ذلك، فإن أمثال هؤلاء "المهدويون" زورا والبعيدون كل البعد عن أبسط تحقيق للعدالة والمساوات هم بالحقيقة سبب غياب الامام وتأخير ظهوره المنتظر .