في عالم التواصل الاجتماعي المفتوح على مصراعيه على كلّ شيء في هذا العالم، أصبح بقدور أيٍّ كان لا أن يفرض فتح موضوع، وإنّما أن يجعله قضيّة عابرة، وربّما تحوّلت – بفعل التعليلقات والمشاركات – إلى عمليّة ضغط على الجهات المسؤولة عن إطلاق الفتاوى!

هذا الأمر هو قضيّة بحدّ ذاته، مرتبطة بطبيعة التغيّر السّريع الذي لحق بالتواصل بين بني البشر، والذي جعل الفرد، أيًّا كان حجمه وموقعه وثقافته ودوره وحالته، جزءًا في معادلة التواصل، وجزءًا هامًّا كذلك.

لكن لن نتناول في المقالة الموضوع من هذه الزاوية، بل من زاوية الطريقة التي ينبغي للجهات الدّينية أن تقارب فيها مسألةً مهمّة كمسألة الصّيام، وتحديدًا في المرتكزات التي تفرض التأنّي في الإجابة، وعدم فتح المجال للجدل قبل حسم الجهات الدينية نفسها للموضوع والخروج للعموم بمقاربة دقيقة.

ولنا أن نتساءل بما يلي:

الطريقة التي يتمّ فيها الإجابة على حكم الصيام في زمن الكورونا هل تساهم في إضعاف البنية النفسية للناس، وبالتالي تساهم في تنمية الإحساس بالخوف من الضرر لديهم؟

هل يجوز أن يتمّ تناول قضية عامّة بسطحية بعيدًا عن الذهنية البحثية الواقعيّة التي لا بدّ أن تحكم الجهات الدينية والجهات الطبّية بمسار حواريّ مشترك وأكثر تفصيلًا وعمقًا؟

إلى أي مدى نستطيع أن نحذف البُعد النفسي من الحسبان عندما نتحدّث عن ضرر أو مناعة؟

وفي محاولة منّا للإجابة على نعرضُ للأفكار الآتية:

أوّلًا: الحذر من ضغط الميديا! لا ينبغي إنزلاق الجهات الدينية، وغيرها، إلى الشعور بالضغط، والحاجة إلى تسويق نفسها بشكل مقبول لدى الجماهير؛ لأنّ المفترض أن تنطلق هذه الجهات من قواعد للأحكام الشرعية وقد لا تكون في هوى الجماهير، ولا سيّما هذه الأيّام. بالتالي، فإنّ خلفيّة كهذه يمكن أن تؤثّر سلبًا على استقلاليّة الجهة الدينية النفسية، بما ينعكس على الطريقة التي تتعامل فيها مع القضيّة موضوع النَّظر.

نقول ذلك لأنّ المناخ العامّ للعالم اليوم بات مناخًا متناسبًا مع التفلّت من القيود والالتزامات، وأكثر نزوعًا – لأجل ذلك – نحو الترخيصيّات منه إلى الإلزامات، وهذا المناخ هو الذي يسبح فيه مجال التواصل الاجتماعي برمّته، وهو الذي يتأثّر به الإنسان العادّي على امتداد العالم، في طرحه للسؤال، وفي تركيزه على الإشكاليّات، وربّما في اعتبار شيءٍ ما مشكلةً له، أو بمستوًى لا يستطيع تحمّله، أو تُشعره بالقلق والخوف على نفسه وحياته، أو أنّه غير قادر على التكيّف معها في ميدان عمله وعلاقاته وما إلى ذلك.

هذا كلّه يجعلُنا في حاجةٍ إلى الأخذ بالاعتبار طبيعة هذا المناخ، وما هي العوامل التي تساهم فيه، سواء منها العوامل الفكرية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو النفسية أو ما إلى ذلك، وما الذي يعدّ عاملًا رئيسًا في ذلك، وما الذي يعدُّ عاملًا ثانويًّا أو متحرّكًا، وكذلك ما هو الظاهر من هذه العوامل وما هو المستتر. وكثيرًا ما يفقد الخطاب الدّيني دقّته بسبب غياب هذه الخلفيّة عن الذهن، أو بسبب تناولها بشكل سطحيّ وليس بشكل عميق.

ثانيًا: اختلاف المجتمعات وتعميم المشكلة! ثمّة خصوصيّات تطبع كلّ مجتمع، وتجعله يفرض حاجات لا يفرضها مجتمع آخر.

على سبيل المثال، الشراء من متجرٍ يبيع الخمر إشكاليّة كبيرة في الغرب، ولكنّه ليس شيئًا في المجتمعات الإسلاميّة بعامّة، كما أنّ النهارات الطويلة في بعض البلدان في بعض فصول السّنة قد تجعل من الصّوم حرجًا وشاقًّا ولو على بعض الفئات، بينما يعدّ طبيعيًّا في أمكنة أخرى من العالم.

نضرب هذين المثالين لنقول: إنّ ضغط قضيّة ما قد يدفع جماعة من النّاس إلى طرح الأسئلة انطلاقًا من واقعٍ مبرّر، ولكنّ هذه الأسئلة ستؤدّي إلى تحويل الأمر إلى مشكلة لمجتمعات أخرى ليس لديها تبرير موضوعي حقيقي، وستفرض عليها مجموعة من المشاعر التي لا ينبغي عليها أن تعيشها أصلًا، أو تدفعها إلى تضخيم بعض الأمور الصغيرة، أو الأمثلة المحدودة للمشكلة، وتحويلها إلى إشكاليّات كبيرة. وهذا كلّه يفرض على الجهة الدينية أن تضعه في حسابها، لترصد طبيعة الاختلافات البنيوية أو الحركية لدى المجتمعات، لا بين الشرق والغرب فقط، وإنّما في داخل المجتمع الواحد، أو الجماعة الواحدة، بسبب الكثير من العناصر التي باتت تميّز الجماعة الواحدة فضلًا عن المجتمع والمجتمعات.

ثالثًا: التّعب من طبيعة الصّيام يُقال في الفقه إنّ هناك تكاليف مبنيّة على الحالة الاستثنائيّة، ولذلك لا معنى لإسقاط التكليف بها بسبب ذلك. كمثال على ذلك الجهاد، فإنّهم يقولون إنّ فيه مظنّة التهلكة والموت، ولذلك لا معنى للحديث عن أنّ التكليف به يسقط بسبب أنّه إلقاءٌ للنفس في التهلكة؛ لأنّ هذا يؤدّي إلى تناقض تشريعي!

موضوع الصّوم يُشبه ذلك، فهو ليس من الواجبات المريحة، بل يفترض مجموعة من الإجراءات التي تصطدم بالعادة تارة، وبالمزاج أخرى، وببعض النقص الذي يعانيه الجسد ثالثةً، وربّما يترافق الصّوم مع بعض الآلام المحتملة، وأخيرًا ما من شكٍّ أنّ الصّوم يعني أن يعطش الإنسانُ وأن يجوع، حيثُ إنّ للجوع نفسه وللعطش والتّعب وتغيير العادات والاصطدام بالمزاج وبعض الآلام المحتملة، لكلّ ذلك وظيفة كانت هي الغاية من تشريع الصّوم.

فالصَّوم تكليف متعبٌ، وليس تكليفًا سلسًا ينسابُ طبيعيًّا مع نظام حياة الإنسان، أو مع طريقة عمل أجهزة جسده العضويّة، أو إفرازاته المعتادة، وبالتالي لا ينبغي الانزلاق نحو ترويج شيء يخالفُ ذلك؛ لأنّ هذا اللون من الترويج يؤدّي إلى رفع التوقّعات الوهميّة من الصّيام، وبالتالي خفض مستوى الدفاعات النفسية، بل الجسدية أيضًا.

ولنقف قليلًا عند هذه النّقطة الأخيرة، إذ ثمّة علاقة بين طريقة تفكير الإنسان، ونوع نظرته إلى القضايا، وبين الاتجاه الذي ينحو نحوه الجسد، بما يشكّل حالة جدليّة وغير قابلة للانضباط في اتجاه واحد للتوقّعات، لأنّ ثمّة علاقة بين الحالة النفسية للإنسان وبين الحالة الجسدية بنسبة كبيرة؛ فسقوط الروح المعنويّة أمام فعلٍ ما ما قد تؤدّي واقعًا إلى عدم قدرة الإنسان على التحمّل، بينما المؤشرات الجسدية لا تمنع من تحمّل الفعل. ما تسبّب في عدم القدرة هو الخوفُ أكثر منه الواقعُ، الأمر الذي يتطلّب تقوية مناعة الإنسان النفسية أمام مؤثرات الخوف، وعندئذٍ يكون الفعلُ أمرًا عاديًّا.

وفي الأثر الدّيني ما يُشير إلى هذه العلاقة، من قبيل ما ورد عن الإمام عليّ (ع): “إذا هبت أمرًا فَقَعْ فيه، فإنَّ شدّة توقّيه أعظمُ ممّا تخافُ منه”[1]؛ إذ في كثيرٍ من الأحيان تكون المشكلة في الخوف هي الدّافع نحو التردّد، أو نحو الإحجام، وقد تدفع الإنسان إلى الاقتناع بعدم القدرة على القيام بالفعل أصلًا. لن ينفعَ مع هذا الإنسان حينئذٍ أن تقول له: أنت تستطيع! فلن يخفّف ذلك من خوفه الذي يولّد لديه الاقتناع الجازم بأنّه لا يستطيع، وسيغلق عنك كلَّ سمعٍ وتفاعل. المشكلة فعلًا في مكانٍ آخر، سبّبت فيه أمور أخرى، وعواملُ مرتبطة بذهن الإنسان وما يؤثّر على حركة تفكيره ونظرته.

هنا تحديدًا، يبدو حجم السلبيّات الناجمة عمّا تفرزه وسائل التواصل الاجتماعي من توتّر، في أصل عملها، فضلًا عن التوتّر الحاصل بسبب كثرة الأسئلة والإثارة للمخاوف التي تنشأ بمبرّر منطقي وبغيره، كما أشرنا آنفًا، وبالنتيجة قد يصبح الخوفُ عامًّا لا بسبب مبرّرات موضوعية ومنطقية أو صحّية – كما في موضوعنا -، وإنّما بسبب الغيمة المشاعريّة التي ولّدها التواصل نفسه.

وأجدُني هنا ملزمًا بالتأكيد على نقطة، وهي أنّ مجال العولمة برمّته، حيث ينغمس فيه الإنسان، هو عبارة عن عملية تكثيف لكلّ شيء، للأفكار والمشاعر والأحاسيس، وهذا هو الذي يؤدّي إلى خلق وقائع حقيقية بسبب التواصل في العالم الافتراضي، وهذا يُرجعنا إلى النقطة الأولى المرتبطة بالمناخ العامّ، ولكن فرضها هذا التفصيل هنا، فأعدنا التأكيد عليها.

أمام ذلك، كان التوجيه الإسلامي بأن لا يسمح الإنسان للخوف أن ينمو في ذهنه، بل أن يقوم بعمليّة مخادعة للعوامل التي يمكن أن تثبّطه وتضعف إرادته، وأن يتلمّس في ذلك تأثيراتها في الواقع، وهو ما يفرض أحيانًا التعرّض الخفيف لما يخاف الإنسان منه، أو قد تفرض الانغماس دفعة واحدة بطريقة لا شعوريّة، ودائمًا يلعبُ المحيط الاجتماعي في هذا المجال دورًا مساعدًا أو مثبّطًا. ولعلّ حديثًا آخر عن الإمام عليّ (ع) يشير إلى هذا اللون من المخادعة: “إذا خفتَ صعوبة أمرٍ فاصْعَبْ له يذلَّ لك، وخادعِ الزَّمان عن أحداثِهِ تَهِنْ عليك”[2]؛ إنّ المسألة كلّها هنا هي ذاتُ الإنسان، هل يذلُ للصعاب أم يصعبُ لها، بمعنى أن يكون أصلبَ منها في داخله، فإذا قوي الدّاخل ذلَّ له الخارج..

حديثٌ آخر لافتٌ عن الإمام جعفر الصّادق (ع) يشير فيه إلى العلاقة بين النّية وبين القوّة المضاعفة التي تمنحها للجسد، يقول: “ما ضعف بدن عما قويت عليه النية”[3]؛ ولذلك عندما يقوم الخطابُ بخلق مناخ من الضّعف أو بأنّ الإشكاليّة مقبولة، فهذا في حدّ ذاته قد يكون إضعافًا للنيّة، وبالتالي تقاعس الإنسان.

هنا يتحوّل الصّيام إلى حالة جهادٍ للنفس، ووسيلة لتعزيز مناعة الإنسان الإراديّة أمام الشهوات والغرائز، وذلك عندما يحول بين نفسه وبين لذّاتها المحلّلة، فيكون على الحرام أقدر، وذلك هو ما أشار إليه الله تعالى في فلسفة فرض الصّيام: (يا أيّها الذين آمنوا كُتبَ عليكم الصّيام كما كتبَ على الذين من قبلكم لعلّكم تتّقون)[4].

رابعًا: الاتجاه الطبّي الرقمي ثمّة أمرٌ مستجدّ لا بدّ من البحث في فلسفته وتداعياته أيضًا، وهو الذي فرضته الحالة الرقميّة العامّة التي طبعت العصر، فاليوم أصبح بالإمكان تحويل الإنسان إلى مجموعة من المؤشّرات التي يستطيع على مدار الثانية أن يطلّع فيها من خلال ساعة يد أو هاتفه المحمول، سواء في تسارع ضربات القلب أو تباطئها، أو في ارتفاع منسوب السكّر أو انخفاضه، أو ارتفاع حرارة الجسد أو انخفاضها، وما إلى ذلك ممّا لا يمكن نقاش فوائده الطبّية. ولكنْ ما ينبغي الالتفات إليه هو ما يخفيه هذا اللون من حجم التوتّر الذي يخلقه للإنسان، وهو يشبه التوتّر الذي كانت – وما زالت – تخلقه فكرة الموت للإنسان إذا ما سكنت تفكيره اللحظوي. إنّ فكرةً كهذه قادرة على إصابة الإنسان بنوبة قلبيّة والموت الفعلي، أو بمرض حقيقي.. في بعض المأثورات إشارة إلى ذلك: “لا تمارضوا فتمرضوا، ولا تحفروا قبوركم فتموتوا”[5].

الله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان ركّب فيه غريزة، هي من أكثر الغرائز تأصُّلًا في تركيبه، وهي غريزة حبّ البقاء، الأمر الذي احتاج معه الإنسان دائمًا إلى تذكيره بالموت، ليتوازن حبّ البقاء لديه فلا يتحوّل إلى طغيان تحت ظلّ الشعور بنبض الحياة الخالد، وهو إحساس مخادع واهم بلا شكّ. لكنْ عندما يتحوّل الموت إلى نوعٍ من الوسواس، فهنا يتمّ تعطيل طاقة الحياة المتأصّلة غرائزيًّا، وهو ما يدفع إلى الموت الفاعلي إن لم يكن الموت الفعلي..

ما يحصل اليوم من ترقيم صحّة الإنسان يُشبه عمليًّا تحويل الموت إلى وسواس، والمرض إلى هاجس على مستوى اللحظة. نقول ذلك لنبني عليه هنا، وهو أنّ هذا اللون قد يلقي بظلاله على التوجّهات الطبّية نفسها، بحيث تجد كثيرًا من آراء أهل “الخبرة” في الطبّ باتت تفتقر إلى الخبرة، وذلك لنظرها إلى موضوع الصوم من زاوية سطحية، أو جزئيّة، في الوقت الذي نعرفُ فيه أن كثيرًا من الأطبّاء الذين جمعوا الخبرة الحياتية إلى جانب الاختصاص كانوا أكثر واقعيّة في نصائحهم، وأكثر تشجيعًا من أولئك الذين باتوا أسرى الأرقام!

ولذلك، بات على الجهات الدّينية أن تبني موضوعها قبل أن تلجأ إلى أهل الخبرة فيه، ومَن من أهل الخبرة سلتجأ إليه، وما هي التخصّصات التي تدخل في تكوين صورة متكاملة عن الموضوع، الأمر الذي يكون الأطبّاء بعضًا ممّن يجب سؤالهم، وليسوا الجهة الوحيدة.

ولذلك ينبغي النظر بحذر شديد إلى مبدأ أنّ الذي يحدّد لنا موضوع الإفطار في شهر رمضان بسبب الكورونا هو الأطبّاء. الفكرة في حدّ ذاتها جذّابة، لكنّها مضلّلة كما أشرنا!

خامسًا: الفقه يجيز الإفطار فلماذا التعقيد! مع كلّ ما أسلفناه، لا يمكن إغفال أنّ الفقه نفسه يقول بجواز الإفطار في حالة المرض، ومنه حالة العطاش الذي يشقُّ معه الصّوم، وغير ذلك ممّا هو مسطورٌ في كتب الفقه وفتاوى العلماء. بل الفقه يقول بأنّ خوف الضّرر كافٍ في سقوط وجوب الصّوم وبالتالي جواز الإفطار؛ فلماذا تعقيد هذا الأمر؟ ولماذا لا يُترك الأمر للمكلّفين؟

للإجابة على ذلك ينبغي التأكيد على نقطتين:

الأولى: أنّ الفقه يتحدّث عن الحالة التي لا يستطيع فيها الجسد فعلًا أن يتحمّل الصّيام، بحيث يكون فعلُ الصّيام إجهادًا للجسد، في الوقت الذي يُطلب أن يكون الصّيام جهادًا لها – كما أشرنا إليه في النقطة الثالثة السابقة -. إجهاد النّفس يرتكز إلى مبدأ أنّ الجسد نفسه غير قادر على التحمّل، فيكون الصّيام إضرارًا به، سواء أضرَّ به في تأخّر شفاءٍ، أو في زيادة مرضٍ، أو نحو ذلك.

مع الإشارة إلى نقطة، وهي أنّ العنوان القرآني المبيح للإفطار هو المرض، حيث قال تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدّة من أيّام أخر)[6]، وعنوان المرض هو حالة استثنائيّة من الحالة العامّة للأجسام، وإلّا لم يكن الله ليفرض الصيّام أصلًا.

الثانية: ما أشرنا إليه في النقاط السابقة من تأثيرات متنوّعة تضغط على الحالة النفسية للإنسان، الأمر الذي يشعر فيه الإنسان بالعجز حتّى قبل أن يجرّب، وقبل أن “يخادعَ” الظروف والعوامل التي قد تريه أنّ الأمور ليست كما يخافُ ويحذر ويتوهَّم.

هاتان النقطتان تفرضان الحذر عندما يُراد إطلاق الأحكام العامّة، ليصدر مثلًا ترخيصٌ شاملٌ بالإفطار، يعمّ المجتمعات والأفراد والأمكنة، ولو على نحو الفرضيّة التي تقول: “إذا كان كذا فيجوز الإفطار”؛ لأنّ هذا النحو من الأحكام العامّة ضمن الظروف التي أسلفناها هو في حدّ ذاته إيقاعٌ للنفس في الوهم.

سادسًا: الصيام بات قضية بحثية؟ ما أشرنا إليه فيما سبق من مسألة بناء الجهات الدّينية للموضوع قبل السؤال عنه، يشكل أهمّية كبرى هنا؛ لأنّ من المهمّ سؤال الطبّ عن الوقاية وموجباتها، وما هي الوقاية اللازمة والوقاية المستحبّة؟ ومع ترك أمرٍ – كشرب الماء مثلًا – كم يؤثر على تدنّي نسبة الوقاية؟ فقد تكون نسبة لا تذكر، أو شيئًا يمكن تعويضه بفعلٍ آخر، أو بإيجاد وضعيّة معيّنة كالراحة وعدم الاحتكاك وما إلى ذلك.. وطبعًا السؤال عن الفرق بين الوقاية وبين الأسباب المؤدّية للمرض بشكل مباشر أو غير مباشر، وما نسبة كلّ منها في ذلك، وما هي الإجراءات التي تمنع تأثير تلك الأسباب…

إضافة إلى ذلك، ما نسبة تأثير الصّيام نفسه على زيادة منسوب المناعة العامّة للجسم، بحيث يكون الصيام هو المطلوب في زمن الكورونا، وليس العكس.

إنّ المختصّين يتحدّثون عن أنّ ترك الطعام والشراب في النهار، والأكل باعتدالٍ وتنوّع في الليل، من شأنه أن يزيد مناعة الجسم؛ بل إنّ الالتفات إلى ذلك جاء نتيجة مشاهدة التأثير الإيجابي للصيام على الأجسام.

إنّ المطلوب هنا على الجهات الطبّية والجهات الدينية أن تجعل من موضوع الصّيام نفسه قضيّة بحثيّة، لا بدّ من تناولها من زوايا عديدة، وأن تكون مقاربته مقاربة حواريّة بين الجهتين؛ لأنّ كُلًّا منهما تنطلق من زاوية قد تفيد جوانب البحث، فكم من أمرٍ اختلف الحكم فيه عندما نُظر إليه من زاوية أخرى، لم يتمّ الالتفات إليها، بسبب أنّها ليست محلّ احتمال أصلًا، أو كانت مفهومة بطريقة مختلفة.

أخيرًا: ما تقدّم من نقاط إنّما كانت إثارات حاولنا من خلالها تسليط الضوء على بعض النقاطة الهامّة في مقاربة موضوع الصيام في زمان الكورونا، وأيضًا تجاه الأعباء التي تفرض على التلاميذ الصيام والدرس والامتحان، أو على العمّال الصيام والعمل، وما إلى ذلك ممّا قد تساهم فيه طريقة المقاربة من الجهات الدينية في تعزيز القوّة لدى هؤلاء أو إثارة نوازع الضّعف، والحال أنّ المخاطَبين ليسوا على درجة واحدة من التفاعل مع تلك الفرضيّات، وبالتالي قد نوقعهم في التفريط بالتكليف باسم أنّنا نريد أن نحافظ عليه. ولذلك لا يصحّ إطلاق الجواب الافتراضي قبل سؤال أهل الخبرة الذين تحيل إليهم الفرضيّة؛ لأنّ الموضوع معقّد ومتشعّب كما أشرنا.

بتعبير آخر: نحن أمام عالمٍ مستجدٍّ من التواصل بين النّاس، والذي أثّر على طريقة تواصلهم، ومستوى تفاعلهم مع الأفكار، ولذلك أصبحت الفتوى نفسها عمليّة إدارة أكثر منها عمليّة صوغ نصّ فقهي، يربط فيه حكمٌ بموضوع معيّن، ويُصاغ بشكل فرضيّ أو حقيقيّ، وهو ما يفرض أعلى درجات الدّقة، والابتعاد عن الارتجاليّة أو السطحية في ذلك.

هذا كلّه إذا غضّينا النّظر عن طريقة تناول وسائل الإعلام للمسألة، ولا سيّما في ظل سيادة ذهنيّة الإثارة والسبق الصحفي وما إلى ذلك ممّا يساهم في اجتزاء المعلومة، أو إيصالها بشكل سطحيّ للناس الذين يكتفي الكثير منهم بالعناوين؛ والله من وراء القصد.

جعفر فضل الله