من حق الحكومة أن تخشى من انحسار موجة وباء «كورونا» لتدخل البلاد الى مدارات أخرى حافلة بالمواجهات الكبرى على اكثر من مستوى اقتصادي ومالي ونقدي ومعيشي وسياسي وديبلوماسي. فقد فشلت الحكومة في تجارب عدة في ان تكون مستقلّة كما أرادها رئيسها، وهو ما أوقعها في اكثر من فخ. ولذلك، ليس من السهل إحصاء الخدمات التي قدمتها «كورونا» ولكن كيف؟ والى متى؟
 

في مراكز الدراسات والأبحاث الدولية كما في الكواليس اللبنانية كلام كثير عن مرحلة ما بعد «كورونا» اذا تمّ حصرها محلياً ودولياً. فقد أقرّ الجميع انّ عالماً جديداً سينشأ بعد هذه الجانحة الدولية التي غَزت 168 دولة في اقل من شهرين وزرعت الرعب في قلوب العالم أجمع، بعدما انهارت انظمة طبية مثالية واخرى اقتصادية وكأنها بُنيت من كرتون. والأمثلة لا تحصى ولا تعد، وفي الأرقام المتداولة عن حجم الاصابات والضحايا والمؤشرات الاقتصادية والمالية خير برهان ولا تحتاج الى مزيد من التفسير.

 

ففي لبنان، كما في دول العالم يبحث كثير من الخبراء والاستشاريين في ما سيكون عليه الوضع بعد مرحلة تطويق «كورونا». وهي المرحلة التي يجب احتسابها فور تَوافر الظروف التي تسمح بالاعلان عن وضع حدّ نهائي لانتشار الوباء في لبنان، ورهناً بالمهل العلمية والطبية التي يمكن تقديرها عقب آخر عمليات إجلاء المغتربين وعودتهم الى الوطن. وخصوصاً بعدما ثبت وجود إصابات بالفيروس بين ركاب طائرتي إسبانيا وفرنسا، وهو أمر قد يتكرر في الرحلات المقبلة. ولذلك، فإنّ السيناريوهات النظرية المتداولة في كواليس ضيقة تتحدث عن عملية مُتدرّجة تعيد الحياة الطبيعية الى القطاعات التي يمكن ان تستعيدها قبل غيرها، وقبل ان تكتمل الدورة العادية في البلاد.

   

وتأسيساً على ما تقدّم، فإنّ بين السيناريوهات المتداولة مَن يتحدث عن جملة عقبات كبيرة قد تتحول أمراً واقعاً فور عودة الحياة الطبيعية الى البلاد وفق المواعيد السالفة الذكر. وهو سيناريو يرفع من نسبة التحديات التي على أهل الحكم والحكومة الاستعداد لها في ظل الظروف، وحجم القدرات المتوافرة للمواجهة في مثل الظروف السياسية والاقتصادية التي تعيشها البلاد وحجبها الاهتمام بلمف كورونا لبعض الوقت.

 

وعليه، فإنّ المواطنين سيفاجأون بواقع جديد بعد خروجهم من الحجر المنزلي قد يؤدي الى ضرورة التكيّف مع إعادة نظر واسعة محتملة في كثير من القطاعات الحكومية وغير الحكومية. فالاستحقاقات المؤجّلة كبيرة ومتعددة الوجوه. وإن كان الحديث عن الوضع الاقتصادي والنقدي يتقدّم الواجهة، فإنّ تفاعلاته لن تكون سهلة إذا ما لم تتوافر الظروف السياسية التي عليها ان تقود المرحلة المقبلة وتفكّك مجموعة الألغام المطروحة على الطريق.

 

ويعترف الخبراء انّ التحديات المالية هي الأقسى، فالخزينة فارغة الى الحدود التي لا يمكن ان تفوق مصاريف الدولة من رواتب وأجور وتأمين السلع الرئيسية التي تضمن الحد الأدنى من الأمن الغذائي. فكل التوقعات التي جاءت بها موزانة 2020 تبخّرت، والحديث عن استعادة التوازن بين الواردات والمصاريف بات شبه مستحيل في ظل وقف الاستيراد وتراجع الرسوم الجمركية والعائدات المختلفة من الضريبة على القيمة المضافة الأكثر تأثّراً في ظل تجميد نسبة كبيرة من الاستيراد وشَلل الحياة التجارية التي باتت محصورة بالمواد الغذائية وصار بعضها صعب المنال، ليس لعدم وجود من يستوردها بل لأنها تراجعت في الدول المصدّرة الى الحدود الدنيا في ظل الشلل الإقتصادي العالمي.

   

والى هذه الاستحقاقات المالية والنقدية لا بد من الإشارة الى انّ العزل الذي لجأت اليه معظم الدول التي أقفلت الحدود في ما بينها كان له التأثير البالغ على كل الحركة التجارية والصناعية والاقتصادية في العالم. والى هذه الهموم التي تتشارَك فيها الدولة اللبنانية ومعظم دول العالم، لا يمكن لبنان إلّا أن يكون من بين الضحايا الأكثر تأثّراً ومعه بعض الدول ذات الإقتصادات المتواضعة التي سينعكس عليها كل ما هو مرتقب من جديد على مستوى العلاقات بين الدول في مختلف المجالات.

 

وبناء على ما تقدم، ومن دون التوسّع في ما ستؤول اليه النتائج المترتبة على وباء «كورونا»، فإنّ لبنان مرشح لأن يكون من اكثر الدول معاناة بنسبة البطالة. فالعائدون الى مؤسساتهم عليهم الاستعداد للخضوع لنظم وقواعد جديدة لا بد من اللجوء اليها في ظل عدم توافر القدرات المالية المطلوبة لمواجهة ما بعد الأزمة الوبائية. فالحصار المالي والنقدي الذي يعانيه لبنان سيشتدّ، وسيكتشف المسؤولون انّ الحديث عن مساعدات اقتصادية ومالية خارج ما تركته أزمة «كورونا» من تداعيات سيكون بعيد المنال.

 

وما يزيد في الطين بلّة انّ الحكومة ليست في الموقع الذي يمكنها ان تخاطب الدول والمؤسسات المانحة كما جرى من قبل. وسيزيد من صعوبة هذه الرغبات الاتهام المباشر بأنها ليس حكومة مستقلة، لا بل فقد اعتبرتها حكومات ودول كبرى انها «حكومة حزب الله»، وانها لن تلقى اي دعم ما لم تغيّر في استراتيجيّاتها المعتمدة منذ بداية العهد الحالي. ومَن اطّلع على نتائج الجهود الديبلوماسية التي بذلتها وزارة الخارجية وتلك التي بذلها موفدون شخصيون لرئيس الحكومة الى بعض عواصم الخليج العربي وما انتهى اليه الاجتماع الاخير للمجموعة الدولية لدعم لبنان، لا يحتاج الى كثير من الأدلة على صعوبة ما ينتظر الحكومة في المرحلة المقبلة.

 

والأخطر من كل ذلك يبقى رهناً بطريقة التعاطي مع ظاهرة فقدان الدولار والعملات الصعبة، فالقرار الذي اتخذ لتسييل الحسابات المصرفية الصغيرة لم تظهر نتائجه المالية المباشرة بعد، وكل ذلك يجري وسط اعتقاد الخبراء الماليين بأنها ستكون صعبة جداً بمعزل عن تصنيف المستفيدين منها على اكثر من مستوى، وإن تَبعتها إجراءات أخرى تطاول الحسابات الأعلى نسبة منها بشطور محددة ستكون الترددات اصعب بكثير، ولعل أبرزها يكمن في النتائج المتوقعة مزيداً من التضخم وفقدان الليرة قيمتها الشرائية، عدا عن التوقعات المتشائمة لِما يمكن أن يبلغه سعر الدولار في السوق غير المضبوطة.

 

على هذه الخلفيات، بات واضحاً انّ الخدمات التي أدّتها «كورونا» لأهل الحكم والحكومة شارفت على الانتهاء بعدما أنهَت الانتفاضة وأعادتها الى نقطة الصفر، ومنعت المعارضة من خطوات كثيرة التزاماً منها بالتضامن الوطني المطلوب، وسيستفيق اللبنانيون على واقع جديد تنتهي معه هذه الخدمة التي نالها مَن طاولتهم الانتفاضة الشعبية. فكيف سيتصرفون؟ وعلى أيّ أسس سيواجهون ما هو مطروح من استحقاقات؟ وهل من قدرات كافية لهذه المواجهة غير المتكافئة؟