توزير عدنان الزرفي أو مصطفى الكاظمي أو أي واحد آخر يخرجه السحرة المزوّرون من سِلال مهملاتهم ليس هو المطلوب.
 

لن يختلف عدنان الزرفي عن مصطفى الكاظمي، ولا عمن كان قبلهما، ولا من سيأتي بعدهما من سياسيين تم ترشيحهم لرئاسة الوزراء العراقيين، سواء منهم الذين حكموا أو الذين لم يغلط القضاء والقدر فيجعلهم رؤساء ووزراء وسفراء ومدراء وقادة جيوش وميليشيات.

فجميع رفاق “الجهاد” وطنيون درجة أولى، وكرماء حاتميون، وشجعان ولا عنترة أو طرزان.

نعم، جميعهم، واحدا واحدا، معممين و”أفندية”، يمينيين ويساريين، عربا وأكرادا وتركمانا، شيعة وسنة، داعشيين و”حشديين”، عشاق هائمون بحب الشعب العراقي، وحماة أشداء لوحدة أرضه ومكوناته، ومستعدون للتضحية بالغالي الذي عندهم وبالنفيس من أجل الحفاظ على أمنه وسيادته واستقلاله، إلى آخر نفس. و”بالروح بالدم نفديك يا عراق”.

وكل واحد منهم مقيم مزمن على شاشات الفضائيات، وعلى فيسبوك وتويتر، وفي الإذاعات والجرائد والمجلات، وهو يحلف بشرفه أمه وأبيه وجدوده وعشيرته على أنه ضد المحاصصة، وضد الفساد وضد العنف، وضد التمييز بين عراقي وآخر على أساس الطائفة أو القومية أو الدين، ولا يقلقه ويقضّ مضاجعه ويخيفه إلا حقن دماء أشقائه العراقيين، واعدا إخوانه المتظاهرين وأخواته المتظاهرات بالقصاص من الفاسدين، وبإخراج الدولة الغارقة من مغطسها المهين.

والأكثر سوءا ووضاعة من هؤلاء هم الذين لم يكتفوا بالمتاجرة بالوطن وسيادته واستقلاله، وبالشعب وكرامته وحقوقه، بل اختاروا الله ورسوله والأئمة ليجعلوا منهم بضاعتهم التي يخادعون بها الناس ويتكسبون بهم ويكنزون بأسمائهم الذهب والفضة، وهم كاذبون منافقون ومزورون.

فقد جعلوا لله أحزابا وجيوشا وميليشيات وعصابات فقتلوا وسرقوا وخانوا، وتجسسوا باسمه ولأجله وهو منهم بريء.

ولكي نعرف حقيقة هذه الشلة الحاكمة اليوم يتعين علينا أن نتساءل، من الذي مزق هذا الشعب وأفسد حياته، وعمق بين أبنائه الفرقة والتناحر والاقتتال؟ ومن الذي لوث ماءه وأفسد هواءه وسرق غذاءه وخرب مدنه وقراه؟ ومن الذي اغتال رجاله واختطف نساءه؟ ومن الذي أطلق على المتظاهرين المسالمين قُطاع الطرق والقتلة واللصوص، حتى صارت الدولة العراقية، في عهدهم غير الميمون، أسوأ دولة، وأفشل دولة، وأفقر دولة في العالم، يُضرب المثل بفسادها، وبقلة أمنها، وخراب حاضرها، و”صخامة” مستقبل أجيالها القادمة؟

ومن الذي اختار له بالمحاصصة، وزراءه ومدراءه وسفراءه الانتهازيين الأميين والمزورين المحترفين للشهادات، فعبثوا بحياته وأباحوا دماء أبنائه وأموالهم وأعراضهم، وهرَّبوا ثرواته إلى دبي والأردن ولبنان وإيران ولندن وحي السيدة زينب في دمشق؟

 

ومن الذي جعل كلمة الميليشيا هي العليا، وكلمة الدولة والحكومة والبرلمان هي السفلى؟ ومن الذي خرَّب علاقات الدولة العراقية بجيرانها، وبدول العالم، وجَيّر الوطنَ وأهله لدولة جارة لم تُضمر لهذا الوطن المسكين إلا كل سوء، ليس الآن فقط، بل من مئات السنين؟

ومن الذي يحج كل شهر إلى طهران والرياض ودبي والدوحة والكويت وأنقرة ولندن وواشنطن وباريس ليبيع أمه وأباه لمن يشتري، وليقبض “المعلوم” ويعود وهو يتغنى بالوطنية والنزاهة والشرف الرفيع؟

ومن الذي هجَّر الآلاف والملايين من المواطنين الأبرياء، ونهب منازلهم، وقتل وأحرق وسحل العشرات والمئات من رجالهم ونسائهم وأطفالهم، هؤلاء ثأرا للحسين من يزيد، واقتصاصا من الداعشيين والبعثيين الصداميين والوهابيين التكفيريين النواصب، وأولئك دفاعا عن شرف العروبة وخلافة المسلمين، وخدمة للطائفة والدين، ووفاء لأبي بكر وعمر وعثمان والانتقام من شاتميهم الروافض “الكافرين”؟

ومن الذي أرسل المئات من شبابه ليموتوا في سوريا، لا دفاعا عن المقاومة، ولا حماية لضريح السيدة زينب، كما يدعي، بل “جهادا” مقدسا تحالفا مع حاكم مجرم قاتل همجي يريد أن يحكم شعبا لا يريده، بالبراميل المتفجرة والصواريخ؟

ومَن المنتقمُ المتآمرُ الخبيث الذي سحب جيشه من نينوى وصلاح الدين والأنبار لكي يسهِّل لداعش احتلالها، وذبحَ أقصى ما يمكن من رجالها، وسبى أقصى ما يمكن من نسائها، وهدم أقصى ما يمكن من مساجدها ومدارسها، وإذلال من يتبقى من أهلها؟

بعبارة أخرى، من الذي رسم هذه المسرحية الجهنمية المتقنة لكي يتنادى، بعد ذلك لتحريرها، ويفرغ خزائن الدولة المفلسة، ولكي يفتح أمام أتباعه ومقلديه أبواب ارتزاق جديدة لا تنتهي؟

ومن 2003، وإلى اليوم، يخرج الشعب العراقي من نفق ليدخل نفقا غيره، ومن مجزرة إلى مجزرة، ومن معركة إلى معركة، باسم الدفاع عن حقوقه، ومن أجل تحقيق العدل والمساواة. أما الحل الذي يريده الشعب العراقي فهو انكشاف الغمة من أساسها، بأشخاصها وأحزابها وقبائلها ومراجعها، وقيام الميت من تابوته الذي لم يصنعه سوى أولئك المنافقين والمشعوذين والمختلسين، بقضهم وقضيضهم، وما زال ينتظر.

والخلاصة أن توزير الزرفي أو الكاظمي أو أي واحد آخر يخرجه السحرة المزورون من سِلال مهملاتهم ليس هو المطلوب.

فكلهم سواء، وجرثومة الغش والسرقة والعمالة مخبأة في عروقهم جميعا، من أكبرهم إلى أصغرهم، مهما اختلفت ألوان عمائمهم، وتنوعت ربطات أعناقهم، وأيا كان اللسان الذي يرطنون به ويصلّون ويدجلون.