فمأخذنا الأكبر على سعد الحريري كان حجم الانبطاح والتبعية والسير في تحقيق رغبات وتوحش العهد وصهره المتغول بالقبض على مقدرات الدولة.
 

وكأنه مكتوب علينا نحن اللبنانيون، أن نترحم دائما على التجارب السالفة بالرغم من مرارتها وفشلها، وكأنه مقدر لنا أن لا نتوفق بالسير نحو الامام، وبأن نتعلم من تجاربنا الفاشله والانطلاق إلى لبنان غد أفضل، والأنكى من ذلك هو الاستمرار بالذهاب نحو الاسوء.

 

فتحتَ عنوان التخلص من المرحلة الاقطاعية العائلية البائدة ومتعلقاتها وتخلفها، بُلينا بإقطاعية حزبية زعامتية  جعلتنا نترحم ونحنّ للاقطاعية القديمة ونقف بحسرة على أطلالها وإنجازاتها، وبعد "المارونية السياسية" بُلينا ب "السنية السياسية" المعتمدة على الحضور الفلسطيني وما جرّه هذا الحضور للبنان من ويلات ومصائب فبتنا نترحم ونحنّ لأيام المارونية السياسية وإنجازاتها،  وكذلك هي الحال مع الوصاية السورية واستبدالها الآن بالوصاية الايرانية، فمع كل فداحة تلك الحقبة السوداء إلا أن البلد لم يكن أكثر سوءا ومآسي من هذه المرحلة، وأخشى ما نخشاه في الوقت الراهن هو هذا الشعور عينه بعد انزياح ما يسمى "بالحريرية السياسية" وتنحي أو إسقاط سعد الحريري وحكوماته المتعاقبة والاتيان بحكومة حسان دياب مما يعني إمساك العهد بأظافيره وأسنانه على مفاصل الحياة السياسية في البلد ودخولنا عنوة وبالكامل إلى مرحلة "العونية السياسية" القائمة أساسا تحت رعاية حزب الله ومشروعه الإلهي العابر للمجرات ! 

 

بدأنا وبكل صراحة، نميل إلى الترحم على حكومة سعد الحريري، ونستشعر بمكان ما أننا كنا نظلمها ونظلم رئيسها تحديدا بالخصوص في مرحلة ما بعد التسوية الرئاسية الملعونة، فمأخذنا الاكبر على سعد الحريري كان حجم "الانبطاح" والتبعية والسير في تحقيق رغبات وتوحش العهد وصهره المتغول بالقبض على مقدرات الدولة، وحجم البداحة والوقاحة بعقد الصفقات والسرقات والسمسرات والفشل الذريع بالوزارات المحسوبة على التيار العوني من الطاقة إلى الاتصالات والخارجية وغيرها، والاستغراق الكامل بالفساد وكنا في زمن الحكومات الحريرية نعتبر أن تلطي رئيس الحكومة وتخاذله إنما هو عن تورط وانغماس بملفات الفساد، وكادت الدعاية الاعلامية للفريق الآخر تقنعنا بأن سعد الحريري هو حقا رأس الفساد، وأن إبعاده عن الحكم (غير مأسوف عليه) هو كفيل بتغيير المعادلة وتفرغ الفريق "الاصلاحي" لخطوات إصلاحية ما كانت لتكون مع وجوده على رأس السلطة التنفيذية.

 

إقرأ أيضًا: حزب الله : والتصفيق المحرّم  

 

أما وبعد حكومة دياب، وفرضها على اللبنانيين بالقوة (تماما كفرض رئيس الجمهورية)،  ونيلها الثقة من طرف فريق واحد، وبعد مرور أكثر من شهرين على نيلها الثقة ( 11/ 2 )، فقد ثبت لدينا وبالوجه الشرعي، أن كل شعارات "الاصلاح " و " محاربة الفساد" و "محاربة  المحاصصة " و " القضاء على المحسوبية " و " محاسبة اللصوص " و " استرجاع المال المنهوب والمهرب " و " خطة النهوض الاقتصادي والمالي "... وغيرها وغيرها من الشعارات الرنانة التي شنف أذاننا بها الثنائي حزب الله – التيار العوني، كانت لا تعدو أكثر من شعارات فارغة جوفاء لا غاية لها إلا تضليل الرأي العام وما الكلام عن وقوف الحريري والحريرية كسدّ منيع يحول دون تحيق هذه الشعارات إلا زيادة في التضليل.

  ولا تحتاج هذه المحصلة المؤسفة إلى كثير إعمال عقل، فلا حاكم مصرف لبنان تبدل، ولا التعينات القضائية أقرت ولا إقرار خطة مالية أبصرت النور ولا فرض ضرائب على الناس توقف ( تثبيت سعر تنكة البنزين ) ولا التدخلات السياسية بالتعينات توقفت ( اللهم الا بسبب التدخلات نفسها وصراعاتها )، ولا المؤسسات الرقابية تفعلت ( الغلاء الفاحش )، والتحضير للتجديد لشركتي الاتصالات على قدم وساق، وصفقة سد بسري أُنعشت.

  فكل ما كنا نعاني منه ونزلت الناس الى الشوارع بسببه، لا يزال قائما وبوتيرة أبشع، الفرق الوحيد أن الفريق القابض على القرار الآن كان يتذرع "ما عم يخلونا" او " تفاديا للفتنة " بسبب وجود سعد الحريري على رأس السلطة ، الآن يحصل كل ذلك وإنما اختلفت التبريرفقط، إذ أصبح شعار المرحلة الجديد هو " لا صوت يعلو فوق صوت المعركة مع كورونا ".

 

 بالوقت أن الخطوات الاصلاحية كانت لتكون واحدة من أهم أسلحة محاربة كورونا لو أن النية موجودة، وكان انتشار الوباء يمكن استغلاله بطريقة عكسية ايجابية  فتمرر تحته كل الاصلاحات ووقف السرقات والهدر وإعادة المال المنهوب ومحاكمة الفاسدين لو توفرت الارادة.

 

أهمية هذه الحكومة ذات اللون الواحد يكمن فقط بأن الناس صارت تعرف بشكل واضح من يقف خلف كل مآسينا، وانفضحت كل الشعارات الفارغة والوعود الكاذبة، وبتنا نكاد نترحم على الحريرية السياسية.