كانت الساعة 7، ومثل كل يوم خميس من كل أسبوع وفي هذا الوقت تحديداً، اعتدتُ أن أستيقظ حتى أسبق جميع الناس إلى البنك من أجل استعطاء المئة دولار أميركي، التي يقسّطها لي البنك على راحته من حسابي الشخصي.

 

لكن هذا الأسبوع، لم أفكّر في خطّ الانتظار الطويل، ولم أقلق من الذلّ الذي بدأت أتعايش معه في كلّ مشوار مصرفي. هذه المرّة قرّرت ألّا أذهب كمواطن نموذجي، كان لا بدّ أن أستردّ بالحرام المال الذي جَنيته بالحلال... وأنا أصلاً لا أفهم بأصول السرقات شيئاً، ولا أملك أدنى فكرة عن التكتيك والخطوات والمعدّات، ولا حتى خطّة الاقتحام والهروب. وكلّ ما كنت متأكّداً منه قبل مغادرة البيت هو أنه يجب أن أكون على طبيعتي، التي لم يتغيّر فيها سوى أن أضع مسدساً على خصري، كنت قد شاهدت في الأفلام أنه يساعد كثيراً على فرض الهيبة وبثّ الذعر.

 

عند الساعة 8:37 وصلت إلى باب البنك، واستقبلني رجل الأمن الدرويش الذي يجد منفعة في وظيفته بركن السيارات أكثر من السهر على أمن المواطنين.

 

لم أقف في الصف لأخذ رقم، ولم أنتظر شغور شبّاك حتى أطلب المساعدة. وقفت في وسط البَهو ونظرت من حولي، فرأيت الجميع بلا استثناء يرتدون أقنعة على وجوههم وقفازات في أيديهم، فخفت للحظة وتساءلت ما إذا كانوا قد تنكّروا جميعاً حتى لا تتعرّف إليهم كاميرات المراقبة ولبسوا قفازات حتى لا يتركوا بصمات وقرّروا أن يسرقوا البنك في نفس اليوم الذي أتيتُ فيه لاسترداد أموالي... وبعد أن تردّدت، تذكّرت أنهم مجرّد مواطنين صالحين خائفين من كورونا، فاستجمَعت قواي التي كانت منهارة أصلاً من فكرة مخالفة القانون، حاولت جاهداً السيطرة على رجفة يدي اليمين القريبة من جراب المسدس.

 

أنا كنت قلقاً من كورونا، ولكنني في هذا اليوم لم أكن أريد إخفاء وجهي ولا فكّرت في موضوع البصمات، كنت أريد فقط أن أحصل على أبسط حقوقي وهي مرتّبي الذي أشقى طوال الشهر من أجل كسبه.

   

اقتربت من أوّل شباك، ومن دون أن أستأذن المرأة الخمسينية التي كانت واقفة قبلي، قلت لأمين الصندوق بوقاحة لم أستعملها في حياتي، هذا رقم حسابي وفيه 556 دولاراً، أريد سحبها كلّها.

 

ومجرّد أن بدأ يردّد الشعار التقليدي «يا أستاذ هيدي سياسة...»، سحبت المسدس وشهرته في وجهه، ومن جديد قلت له: يوجد في حسابي 556 دولاراً، وهذا ما تبقّى من مرتبّي الشهري، أريد المبلغ كاملاً ليس فيه زيادة ولا نقصان... أخذت نفساً عميقاً حتى أخفي الرجفان في صوتي، وقلت من جديد: «أنا لا أريد سرقة أموال الناس التي تقف هنا مذلولة لساعات، كلّ ما أريده هو باقي مرتّبي، ومن ثمّ سأذهب من حيث جئت».

 

إرتبك الموظّف، وهلعت المرأة، وعمّت الفوضى بين العملاء المصطفّين خلفي، لكن من كثرة الزحمة في الداخل عَلق الناس بين خوفين، خوف من مشهد مسدس أسود مرفوع في البنك، وخوف من الاقتراب من بعضهم والإصابة بكورونا، فارتبكوا ولم يتمكّنوا من الهروب وعلقوا عند الباب الرئيسي نوعاً ما متباعدين، وبطبيعة الحال رجل الأمن كان مشغولاً بركن سيارة، وكما لو أنّ ظروف الكوكب اجتمعت مع بعضها حتى تتسَهّل خطّتي.

 

ولكن حتى هذه اللحظة لم أفهم إذا كان أمين الصندوق مرتعباً من المسدس أو أنه كان يعرف ضمنياً أنّ هذا المبلغ هو حقّي الشرعي، وما من داع أن يعرّض نفسه للخطر وأنا لم أطالبه سوى بما يخصّني، فما كان منه إلّا أن جمع المبلغ من الجارور وأعطاني ما أستحقّه. وبكلّ لباقة، شكرته واعتذرت من المرأة المصفَرّة ومن كلّ من كان متواجداً، وهربت إلى جهة معروفة.

 

عدت إلى منزلي، وأخذت بيدي الأدوية التي كان أولادي بحاجة إليها بالإضافة إلى قليل من الأكل والحاجيات، وطَمأنتُ بالي أنني سأتمكّن من دفع فواتيري المتراكمة.

 

لم أخبر أحداً بهذا الموضوع، ولا أعرف في أي لحظة ستُداهم القوى الأمنية منزلي... وعندما سيأخذوني إلى المحكمة، سأكشف لقاضي التحقيق أنّ المسدس كان بلاستيك، وأنّ المبلغ الذي أخذته بالقوة هو ما تبقّى من مرتّبي بعد أن تقاضَت الدولة حقوقها من الفواتير الموطّنة، وبعد أن أخذ البنك بالقوّة كمبيالاته وفوائده الملغومة.    

وسأقول له إذا كان يريد سجني بتهمة سرقة حقوقي، فلا بد منه أن يسجن أولاً من سرق حقوقه وحقوقي.