العراقيون لا تهمهم هوية المنقذ، بقدر ما تهمهم تصفية النفوذ الإيراني ودعم انتفاضة العراقيين، وهم يستحقون دولة مدنية تعيد استقلالهم المنتهك من قبل الحرس الثوري ونظامه الفوضوي.
 

كثير من المشككين بأصالة العراقيين يعتقدون بأنهم في قبولهم بجوقة السياسيين الممثلين للأغراب وانتخابهم لهم حتى ولو بنسبة ضئيلة، فإنما يعبرون عن عقدة مركبة تحكمت بقضية الولاء للحاكم والمظاهر الدراماتيكية في تعاملهم معه منذ تأسيس الدولة العراقية، حين انصاعوا للزعامات الشيعية التي أفتت بمقاطعة الدولة وملكها فيصل الأول، ثم تنفيذهم لثنائية المزج ما بين نقيضي التطرف؛ الإعجاب والتمرد، منذ عام 1958 وحتى عام 2003.

أبرز أمثلة الرضوخ للحاكم تمثلت في التصفيق والتظاهر المليوني لصدام حسين، في حين قابلتها هيستيريا الرفض لدرجة سحل رئيس الوزراء نوري السعيد في شوارع بغداد، ما وفر الفرص لتصعيد القناعات المغرضة بدموية الشعب العراقي وعنفه.

كان على السياسيين الشيعة منذ تسلمهم السلطة من الأميركان، الذين يحاربونهم اليوم، الاستماع إلى نصائح دهاة التزوير ووعاظ نظرية المؤامرة في طهران لكي يجعلوا من مسلسل خداع الناس مادة تعينهم على الاستمرار في الحكم، رغم انكشاف هذه اللعبة في السنوات الأخيرة من خلال انتفاضة أكتوبر الشبابية 2019.

أبرز نصيحة إيرانية لهؤلاء الجهلة في إدارة السلطة كانت في استثمار الصيغة الجماعية وتداول السلطة التي جلبتها لهم ديمقراطية الأميركان في إنهاء دور الزعيم السياسي الفرد في إدارة النظام، لكي يبعدوا مخاطر التمرّد عليه مثلما حصل في تاريخ العراق القريب، ولاستمرار التماهي في الولاء العقائدي لولي الفقيه الحاكم في طهران رغم أنه أجنبي وفق سياقات الدول وسياداتها. وحين نمت نزعة الزعامة الفردية لنوري المالكي في الولاية الثانية من حكمه بين 2010 و2014 تمت إزاحته.

هذه الدعاوى المشككة بتجانس العراقيين وقدرتهم على تحقيق الاستقلال والسيادة تعمدت تجاهل حقائق التاريخ الحديث للعراقيين في رفضهم للاحتلالين الإنجليزي والأميركي، في مثال ثورة العشرين التي شوّهت عراقيتها بالهوية الطائفية حيث يعتبرها رواد التفكيك الاجتماعي اليوم بأنها ثورة “شيعية”، في حين أكدت الوقائع أنها ثورة العشائر العربية والكردية، ومثال ذلك قتل القائد الإنجليزي جيرارد إفيلين ليتشمان من قبل الشيخ ضاري بن محمود قرب الفلوجة، وكذلك مثال المقاومة العراقية المسلحة ضد الاحتلال الأميركي بين 2003 و2011 التي صادرتها بعض القيادات الشيعية لنفسها.

تاريخياً لم تميّز الدولة العراقية في قياداتها بين شيعي وسني وعربي أو كردي، فقد ظلت ماكينة هذه الدولة وخلاياها الحية تنتج قادة ومسؤولين لمعت أسماؤهم في تاريخ الحكم العراقي حتى عام 2003 تحت عنوان الكفاءة وليس الدين أو المذهب أو القومية. كان أول وزير مالية عراقي هو نابغة يهودي اسمه ساسون حسقيل، فيما كان جعفر العسكري أول وزير دفاع عراقي جمع بين العسكرتاريا والسياسة وهو كردي، ومحمد فاضل الجمالي شيعي تولى رئاسة الوزارة والخارجية قبل عام 1958 وكان من مؤسسي منظمة الأمم المتحدة، وتعتز الدولة العراقية بأروع النماذج لقادة متميزين في العصر الحديث حيث كانت الكفاءة والمقدرة هي المقياس وليس الانتماء الطائفي.

كان انهيار الدولة بعد الاحتلال الأميركي عام 2003 صعقة مدوّية. وقد صدّق العراقيون في الأيام الأولى شعارات الأميركان ومروجيها من الزعماء الشيعة بادعاءات كاذبة بأن الحكم الجديد سينهي الحكم الاستبدادي بديمقراطية تشيع الرفاه بين العراقيين، لكن مسيرة السبعة عشر عاما كشفت حقيقة عدم السماح ببناء دولة عراقية جديدة، ومحو جميع مرتكزاتها ببديل اللادولة عبر تحالف القيادات الحزبية للإسلام السياسي الشيعي والميليشيات. ودخلت البلاد في دهليز ظلامي أقسى من الاحتلالات عبر العصور، عبر تدمير ما تبقى من مظاهر الدولة، ونهب الموارد المالية بأساليب لم تتقنها المافيات الدولية من قبل، وتركوا العراقيين جياعاً تكشف عن أحوالهم المزرية أمثلة موجعة آخرها محنة كورونا.

مشروع النفوذ الإيراني في العراق يعتمد على استمرار حالة اللادولة وتدعيمها، ومنع أية فرصة لقيام دولة مستقلة حديثة بمواصفات عصرية مدنية قادرة على أداء واجباتها تجاه شعبها، وقمع مروجي مشروع الدولة الوطنية من أي جهة عراقية سواء أكانوا شيعة أو سنة أو أكراد، ولذلك فإن مهرجانات لعبة الانتقال الدوري لرأس الحكومة تعتمد على تكريس اللادولة واستمرار شراكة المحاصصة التي انتقلت إلى داخل البيت الشيعي بعد الانهيارات التي أصابت أطرافه، ولعل التطور الأخير الذي حصل في انتفاضة الشباب هو اعتراض معطّل ولو بدرجة ضعيفة لمسيرة استكمال مشروع اللادولة المرتبط بإيران، ولهذا يتم قمعها.

هاجس القوى الشيعية هو الخوف من انتفاضة شعبية ثورية تطيح بالنظام القائم. ولهذا كانوا سعداء بأن انتفاضة أكتوبر اتسمت بالطابع السلمي غير الاقتحامي لعروشهم المهزوزة، وتعيد هذه الحقيقة للأذهان مناورات مقتدى الصدر في اقتحام المنطقة الخضراء عام 2017 حيث كانت مقلقة لهم باحتمالات جدّيتها وتحقيقها هدف إزاحتهم عن السلطة، لكن الصدر استدار لأسباب تبدو مجهولة ظاهريا، لكنها في الواقع كانت تداركاً عاجلاً منصوحاً به من طهران باحتمالات ضياع حكم الشيعة.

رغم الصورة المتشائمة لحالة العراق تحت الوصاية الإيرانية، إلا أن عوامل الرفض قد نضجت خلال شهور قليلة وتسللت إلى داخل المنظومات السياسية الشيعية رغم محاولات الدفع لإخراجها عبر دعوات التكاتف للقوى الشيعية، لكن الزمن لا يعود إلى الوراء، ومحاولات إدخال المنهج السياسي المعتدل في رئاسة الحكومة رغم أنه مسموح به إيرانياً إذا لم يتجاوز الخطوط الحمراء، لكنه غير قادر على طرد النفوذ الإيراني وإعادة استقلال العراق وسيادته، فهذه المهمة من الناحية الجيوسياسية تحتاج إلى قوة خارجية أياً كان مصدرها. فالعراقيون اليوم لا تهمهم هوية المنقذ، بقدر ما تهمهم تصفية النفوذ الإيراني ميدانياً ودعم انتفاضة العراقيين وهزيمته، وهم يستحقون دولة مدنية تدير شؤونهم وتعيد استقلالهم المنتهك من قبل الحرس الثوري ونظامه الفوضوي.