عدّل معهد التمويل الدولي في أحدث تقرير له، توقعاته لمعدّل الإنكماش في لبنان من 9.6 في المئة، ما قبل تفشّي فيروس «كورونا» وانخفاض اسعار النفط، الى 12.6 في المئة في العام 2020، ليواجه لبنان أعلى نسبة انكماش بين دول منطقة الشرق الاوسط وشمال أفريقيا.
 

تشير حالة الحَجر المنزلي وتعطّل سلاسل التوريد وانهيار اسعار النفط والقيود على السفر بالإضافة الى توقف كافة الأعمال، إلى تفاقم معدلات الركود في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ليبلغ ارتفاع معدلات الانكماش النسبة الأعلى منذ ثلاثة عقود.

 

لمواجهة هذا الواقع، تحاول الحكومات تخفيف الضرر الاقتصادي من خلال إطلاق حِزَم التحفيز، إلّا انّ الوضع الاقتصادي لمعظمها ضعيف. وقد عمدت البنوك في المنطقة الى خفض أسعار الفائدة، وأعلنت عن خطط لتوفير السيولة للمؤسسات المالية، خصوصاً للشركات الصغيرة والمتوسطة.

 

لكنّ دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي تملك مساحة مالية محدودة لزيادة الخدمات العامة ودعم المتضررين، ستواجه الضغط الأكبر. بالاضافة الى ذلك، تلقّت الدول المصدّرة للنفط في المنطقة، ضربة إضافية مباشرة من خلال انهيار أسعار النفط.

 

وفقاً لتلك المعطيات، قام معهد التمويل الدولي بخفض توقعاته للنمو في المملكة العربية السعودية من 2.8 في المئة إلى انكماش بنسبة 0.3 في المئة، كما رجّح تفاقم الركود في الجزائر، العراق وإيران. وتوقّع كبير الاقتصاديين في المعهد غربيس إيراديان، الذي أعدّ التقرير، ان ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي لدولة الإمارات العربية المتحدة بنسبة 0.6 في المئة، لافتاً الى انّ الزيادة المتواضعة في إنتاج السعودية والإمارات من النفط، قد تؤدي الى ارتفاع في نِسَب النمو. وقال معهد التمويل الدولي، انّ نشاط قطاع الخدمات سيتلقّى الضربة الأقسى، نتيجة جهود احتواء «الكورونا» والتباعد الاجتماعي.

 

محلياً، أوضح ايراديان لـ«الجمهورية»، انّه تمّ تعديل توقعات نسبة الانكماش في لبنان بعد انتشار فيروس «كورونا»، وفرض حالة التعبئة العامة، من 9.6 في المئة في كانون الثاني الى 12.6 في المئة في العام 2020، بسبب حالة الشلل وتوقّف معظم نشاط القطاعات الاقتصادية.

 

وقال، انّ تداعيات تراجع اسعار النفط عالمياً الى النصف ستكون ايجابية بالنسبة للبنان، حيث ستتراجع فاتورة الاستيراد التي يشكّل النفط حوالى 20 في المئة منها، مما سيخفّف من عجز ميزان المدفوعات. كما انّ العجز المالي يمكن ان يتراجع نتيجة تراجع تحويلات الخزينة الى مؤسسة كهرباء لبنان الى أقل من النصف، مع تراجع اسعار النفط بحوالى 50 في المئة.

 

وأضاف، انّ تعرفة الكهرباء في لبنان الحالية لم يتمّ تعديلها منذ التسعينات، وهي موضوعة على اساس سعر وسطي لبرميل النفط عند 25 دولاراً، وبالتالي، «مع تراجع اسعار النفط تتراجع كلفة الإنتاج لمؤسسة كهرباء لبنان، وبالتالي تنخفض قيمة التحويلات المطلوبة من الخزينة لسد عجز المؤسسة».

 

ورأى ايراديان، انّ الوقت مناسب الآن لتعزيز الوفورات التي يمكن ان تحققها مؤسسة كهرباء لبنان جراء تراجع اسعار النفط، من خلال تحسين الجباية وضبط الهدر وزيادة الإنتاج.

 

في المقابل، أشار انّ الوفر المالي الذي ستحقّقه الخزينة نتيجة تراجع التحويلات الى مؤسسة كهرباء لبنان، سيسدّ جزءاً من تراجع ايرادات الدولة نتيجة الانكماش الحاد المتوقع هذا العام، والذي سيؤدّي الى تراجع الايرادات الضريبية والرسوم الجمركية وغيرها من الإيرادات الحكومية.

 

ميزان المدفوعات

ومن ناحية ميزان المدفوعات، لفت ايراديان الى ايجابيات تراجع فاتورة الإستيراد نتيجة الانكماش الاقتصادي وتراجع اسعار النفط، سيقابلها تراجع ايضاً في فاتورة التصدير بسبب الانكماش الحاصل في كافة الدول التي يصدّر اليها لبنان، وبالتالي، ايجابيات تراجع اسعار النفط ستمحوها تداعيات الإنكماش العالمي.

 

واعتبر ايراديان، انّ ما يحصل في العالم اليوم جراء هبوط اسعار النفط الى تلك المستويات، بالإضافة الى تفشّي فيروس «كورونا»، نكسة عالمية شبيهة بالحرب العالمية او بالكساد الكبير الذي حصل في 1929، مشدّداً على انّ التوقعات الاقتصادية يمكن ان تتبدّل بصورة مستمرة جراء التطورات اليومية عالمياً، ولكن من سيئ الى أسوأ.

 

اما اقليمياً، وبناء على سيناريو خاص وضعه معهد التمويل الدولي لمتوسط ​​سعر النفط عند 30 دولاراً للبرميل، قدّر المعهد ان تشهد البلدان التسعة المصدّرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا انخفاضاً في أرباح النفط في العام 2020، بقيمة 290 مليار دولار. ونتيجة لذلك، سيتحوَّل رصيد الحساب الجاري التراكمي من فائض قدره 65 مليار دولار في العام 2019 إلى عجز قيمته 130 ملياراً في العام 2020 ، وسيتسع العجز المالي من 2.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 13 في المئة. وعلى عكس السنوات الأربع السابقة، سيتمّ تأمين أكثر من ثلثي الحاجات التمويلية محلياً من خلال اللجوء الى احتياطات مالية كبيرة (خاصة صناديق الثروة السيادية). ومن المرجّح ان يكون هناك ضغط على سيولة البنوك مع تراجع الودائع المرتبطة بعائدات النفط، وقد ترتفع في المقابل القروض المتعثرة. لكن رغم ذلك، تتمتّع معظم البنوك الخليجية بوضع جيد لاستيعاب الصدمات.

 

في موازاة ذلك، توقّع معهد التمويل الدولي أن ينخفض ​​معدل النمو في الدول المستوردة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة 2.4 نقطة إلى 0.4 في المئة في العام 2020 ، وهي النسبة الأدنى منذ أوائل التسعينات. لكنه استبعد في المقابل أن تعوَّض الوفورات المحتملة من أسعار النفط المنخفضة، التداعيات السلبية للتقوّض الدراماتيكي لنشاط المؤسسات وحركة الأشخاص والبضائع داخل الحدود الوطنية، بالاضافة إلى الروابط العميقة مع الدول المصدّرة للنفط في المنطقة، وتأثير الانكماش في اقتصادات الدول الاخرى.

 

ولفت إيراديان، الى انّ الركود العالمي سيؤدّي إلى انخفاض التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر، وتدفقات السياحة والتحويلات المالية إلى مصر والأردن والمغرب ولبنان. في حين ستشهد مصر أيضاً انخفاضاً كبيراً في إيرادات قناة السويس.

وتوقّع معهد التمويل الدولي تراجع تدفقات رأس المال غير المقيم إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ​​من 182 مليار دولار في 2019 إلى 85 مليار دولار في 2020. كما ستتراجع تدفقات المقيمين (معظمها على شكل صناديق الثروة السيادية) بأكثر من النصف (من 214 مليار دولار في 2019 إلى 76 مليار دولار في عام 2020) نتيجة الحاجة المتزايدة الى الاستفادة من صناديق الثروة السيادية لتمويل عجز الحساب الجاري الكبير والعجز المالي.

  ومن المتوقّع أن تنخفض الاحتياطات الرسمية بمقدار 155 مليار دولار (معظمها في السعودية والجزائر والعراق وإيران)، وان تنخفض القيمة التراكمية لصناديق الثروة السيادية لدول مجلس التعاون الخليجي الست بنحو 0.4 تريليون دولار (من 2.2 تريليون دولار في نهاية 2019 إلى 1.8 تريليون دولار في نهاية 2020)، ويعود حوالى نصف هذا الانخفاض الى الخسائر في أسواق الأسهم العالمية.