تناولت آمال خليل موضوع اللبنانيين العالقين في افريقيا، فكتبت في صحيفة الاخبار:
 
 
عندما أُطلق النداء للتبرع لمواجهة كورونا في لبنان، كان مغتربو أفريقيا أول من لبّى النداء. لكن عندما طالب هؤلاء الدولة بأن تفتح لهم أبوابها للهرب من جحيم الفيروس حيث هم، قيل لهم «انتظروا لنقرر ماذا سنفعل تجاه المغتربين حول العالم». لم يكن «كورونا» سوى اختبار جديد أثبت للجاليات اللبنانية في أفريقيا أنهم في أدنى سلّم أولويات الدولة، برغم المعرفة برداءة المستوى الاستشفائي والبنى التحتية. الفيروس لم يتفشّ بشكل واسع في الدول الأفريقية، إلا أن الجاليات اللبنانية دقّت جرس الإنذار ليس لمواجهته في أرض المعركة، إنما للهرب منه. وزير الخارجية والمغتربين ناصيف حتّي اشترط، أول من أمس، خضوع من يرغب في العودة لفحص الفيروس منعاً لاختلاط الأصحاء مع حامليه. أما موعد العودة، فقد أجّل بتّه إلى ما بعد 12 نيسان المقبل، عقب انتهاء التعبئة العامة الممددة. فما هي الحال في البلدان التي تضم أكبر الجاليات؟
نهاية الأسبوع الماضي، توفي أحد اللبنانيين المقيمين في كوماسي في غانا. برغم أن عائلته أصرّت على أن سبب الوفاة معاناته المزمنة من مرض الربو، إلا أن وزارة الصحة الغانية صنّفته من بين المصابين بـ«كورونا». قبل وفاته، بدأ الفيروس في الأسبوع الأول من الشهر الجاري، بالانتشار في غانا على نطاق ضيق عبر أشخاص وصلوا من دول أوروبية. وقبل أن تقرر السلطات إغلاق المطار، وصلت طائرات عدة يومي السبت والأحد تقلّ غانيين وأجانب، عادوا من أوروبا، نقلوا مباشرة إلى أماكن مخصصة للحجر الصحي الاحتياطي. هذا المشهد أحدث إرباكاً بين اللبنانيين. في 15 آذار، دعا السفير ماهر خير إلى اجتماع لتشكيل لجان تنسيق لمواجهة المرحلة، تنوعت بين لجنة للطوارئ وأخرى لتسيير شؤون الجالية في حال أعلن حظر التجوال، ولجنة لمتابعة علاج المصابين المحتملين. حتى مساء أمس، لم تكن السلطات قد أعلنت الحظر. لكن ماذا فعل اللبنانيون؟ في اتصال مع «الأخبار»، قال أحد أعضاء الجالية محمد مديحلي إن الجهود تنصبّ حالياً للضغط على الحكومة اللبنانية للسماح بإجلاء من يرغب من اللبنانيين، على غرار ما فعلت سائر الدول الغربية مع رعاياها. «لا يوجد إمكانيات صحية كافية في غانا لمواجهة الفيروس في حال انتشر بين اللبنانيين. المستوى الاستشفائي رديء والكمامات والقفازات فقدت من الأسواق». استحدثت السلطات ثلاث مستشفيات خاصة بمعالجة الفيروس: واحد في العاصمة أكرا، وثانٍ في كوماسي وثالث في تيما. ليس قلة عددها العائق الأول أمام اللبنانيين، بل «نشكّ في نوعية العلاج وفي دقة نتيجة الفحص الذي سنخضع له» بحسب مديحلي.
في جمهورية الكونغو الديموقراطية، الوضع أسوأ بكثير. الدولة التي تعدّ من بين أفقر عشر دول في العالم، لا يوجد فيها سوى 50 جهاز تنفس، 20 منها في العاصمة كينشاسا حيث يقيم معظم اللبنانيين. منذ منتصف الليلة الماضية، دخلت البلاد في حظر تجوال ليلي لمدة أربعة أيام وعزل للعاصمة ومدينة لومومباشي عن باقي المناطق (تتركز الإصابات فيهما حتى الآن). لكن مصدراً في الجالية استبعد فرض حجر منزلي شامل، سواء في الكونغو أو في أي دولة أفريقية أخرى، ما سوف يؤدي حكماً إلى نشر العدوى. والسبب أن «غالبية السكان المحليين يجمعون قوتهم يومياً ولا يملكون إمكانية تخزين الطعام في منازلهم، حيث لا كهرباء ولا برادات». ولفت إلى احتمال تفشي جرائم السرقة في حال أجبر الناس على وقف أعمالهم.
 
في ساحل العاج التي تضم أكبر تجمّع لبناني في القارة، التقط البعض العدوى بعد سفرهم إلى فرنسا لحضور حفل زفاف لأحد أبناء الجالية، بحسب ما تم تداوله في أوساطهم. وباستثناء حالة واحدة تعالج في أحد المستشفيات اللبنانية، يتابع البعض تلقي علاجهم في منازلهم ويخضع آخرون أنفسهم للحجر المنزلي، مستفيدين من قرار إغلاق المدارس والجامعات الذي فُرض في غالبية الدول الأفريقية. حفل الزفاف نفسه يظنه البعض في السنغال سبباً في انتقال العدوى إلى ستة لبنانيين (على صلة بمدعوين إلى الحفل). وقد أكدت السفارة اللبنانية مساء أمس في بيان، إصابتهم وخضوعهم للعلاج في أحد المستشفيات، مشيرة إلى «رغبتهم بالعودة إلى لبنان».
 
يمضي لبنانيو أفريقيا أيامهم بين حدين: الوقاية من كورونا وانتظار الفرج الآتي من الشرق. بعض الدول الغربية التي أجلت رعاياها أجبرتهم على دفع ثمن تذكرة الطائرة. «أما نحن كجاليات، فلا نريد من دولتنا شيئاً. افتحوا المطار وخصّصوا لنا طائرة لإجلائنا ندفع ثمن استئجارها وتذاكرها»، قال مديحلي. قبل قرار إقفال المطار في لبنان، ثم في نيجيريا وساحل العاج وغانا (تضم أكبر الجاليات) نهاية الأسبوع الماضي، لم يتسنّ لمعظم اللبنانيين العودة بسبب ضيق الوقت، فضلاً عن قلة عدد الرحلات التي خصصتها شركة طيران الشرق الأوسط للدول الثلاث التي لا تحلق إلا نحوها من بين سائر دول القارة (رحلة واحدة لأكرا واثنتان لأبوجا ولاغوس وثلاث لأبيدجان). مصدر دبلوماسي في إحدى البعثات لفت إلى وجود عدد كبير من اللبنانيين لا يملكون القدرة على دفع ثمن التذاكر لعائلتهم. «على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها بوضع خطة إجلاء واضحة للمقتدرين وغير المقتدرين».