لم يقتنع الكثيرون ان حكومة مواجهة التحديات هي حكومة بعيدة عن السياسات الداخلية الضيقة وتأثيراتها على العمل التنفيذي للسلطة الثالثة في البلاد، ولعل السياسيين ساهموا في ترسيخ هذه القناعة لدى اغلب الرأي العام، بمواقفهم وشروطهم وطلباتهم. لكن ثمة من يرى ان الاعباء الملقاة على البلاد والعباد وعلى الحكومة، وما تتطلبه من قرارات وإجراءات سريعة وفعّالة.
 

بات بحكم المؤكد أن الحكومة بصدد التمديد لخطة التعبئة العامة أسبوعين إضافيين ابتداءً من الثلاثين من الجاري، مع التشديد على بقاء المواطنين في منازلهم، على أن تترافق هذه الخطة مع سلسلة تدابير قاسية وصارمة قد يتخذها الجيش والقوى الأمنية بحق المخالفين، نظرا الى تزايد عدد المصابين بفيروس كورونا بنسبة 15 في المئة يومياً، ما يمهّد الى ارتفاع الأعداد حتى منتصف نيسان المقبل، وفق ما أفادت مصادر طبية عبر "الأنباء"، خصوصاً في ظل الحديث عن عودة أعداد كبيرة من اللبنانيين المغتربين في الدول الموبوءة. 

وفي الوقت الذي تبدو فيه جهوزية المستشفيات الحكومية والخاصة غير كافية طبياً ولوجستياً حتى الساعة ، لذلك يجري العمل على تجهيز مباني خاصة أو بعض الفنادق لحجر المصابين في حال تعذّر ذلك في المستشفيات.  وأشارت المصادر عينها إلى النقص الحاد في أجهزة التنفس الاصطناعي وطرق تأمينها من الخارج ، لذلك ليس أمام اللبنانيين سوى الإبقاء على حجر أنفسهم في المنازل، لأن عدم الاختلاط هو الدواء الشافي.

توازيا، أكدت مصادر حكوميةأن اجراءات التعبئة العامة في الأسبوعين المقبلين ستكون جدية أكثر مما يتخيله البعض،لأن الوضع الصحي بشكل عام لم يعد يسمح أبدا بالتراخي، والتدابير التي ستتخذها القوى الأمنية ستفاجئ الجميع. على صعيد آخر، وفي سياق الخلاف القائم على التعيينات، لفتت مصادر مراقبة الى أنه في الوقت الذي بات فيه اللبنانيون يخشون على صحتهم وصحة أبنائهم ثمة من يقف في الظل وخلف كل الاجراءات المتخذة لمحاربة كورونا، فيحاول السيطرة على كل شيء في الدولة من أعلى المراتب إلى أصغر حاجب فيها. حيث يرى هذا البعض في كورونا وخطرها المحدق على اللبنانيين فرصة قد لا تُعوّض لتقويض كل ما في الدولة وتجييره لصالح وصالح تياره السياسي. 

وفي ما يتعلق بتعيينات نواب حاكم مصرف لبنان، تؤكد المصادر أن الوزير جبران باسيل يصر على أن يكون نائب الحاكم المسيحي (الأرمني) من حصة التيار الوطني الحر، وكذلك مفوض الحكومة الارثوذكسي، مطالبا أيضا بالاسم السني لنادين حبال، ويصرّ ان يكون الاسم الدرزي من بين الاسماء التي يقترحها حلفاؤه. كما يشترط تسمية اعضاء لجنة الرقابة على المصارف المسيحيين. بحيث لم يكن الكباش ا لماليّ معزولاًعلى ما يبدو، إذ جاء بالتزامن مع تغريدةٍ بدت أكثر من لافتةٍ ونافرةٍ في الآن نفسه، لرئيس تيار المردة سليمان فرنجية، باعتبار أنّها استعادت أجواء الحكومات السابقة، على خلفيّة حديثه عن تهريب تعيينات وتمرير صفقات، ملوّحاً في الوقت نفسه بأن يبني على الشيء مقتضاه في ما يخصّ المشاركة في الحكومة. 

اقرا ايضا : ألم يحن وقت إعلان حالة طوارئ فورية

 

ومع أنّ فرنجية تعمّد تبرئة نفسه بالقول إنّه لا يريد "حصّة، فإنّ تغريدته أوحت لكثيرين أنّ المحاصصة في التعيينات عادت لتطلّ برأسها، عند أول استحقاقٍ تواجهه الحكومة، ما يدحض كلّ الأقاويل عن نهجٍ آخر تسعى إلى تكريسه. ما دفعه للاستنجاد بالثنائي الشيعي للحصول على حصته في التعيينات. وإذا كان اعتراض فرنجية ناجماً، برأي البعض، من خلافه الشخصيّ مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، في ظلّ الصراع المستمرّ بينهما حتى انتخابات الرئاسة المقبلة بالحدّ الأدنى، وأنّه رفع الصوت احتجاجاً على التسريبات التي بدأت تتوالى عن طبخ التعيينات ثنائياً بين رئيس الحكومة وباسيل، فإنّ كثيرين يرون أنّ بصمات رئيس مجلس النواب نبيه بري حاضرة خلف تلميحات باسيل.

 ولعلّ ما يعزّز هذه المقاربة، أنّ بري كان قد استبق كلّ تطورات الساعات الأخيرة، بـ تصويبٍ مباشرٍ على دياب، على خلفيّة عدم إعلان حال الطوارئ، وقوله مثلاً إنّه لم يفهم سبب عدم إقدام رئيس الحكومة على الأمر، على رغم وعدٍ قطعه له بذلك. وإذا كان واضحاً أنّ هذه الخلافات هي أبعد وأعمق من التعيينات، وترتبط بالصراعات السياسية الموجودة، فإنّ الأكيد برأي المراقبين، أنّ الأمر لا يعدو كونه مجرّد مناوشات لتحصيل بعض المكاسب في التعيينات وغيرها، وتسجيل النقاط التي يمكن توظيفها لاحقاً. في هذا الاطار، اوضحت مصادر وزارية ان لا اتفاق بعد على نواب الحاكم، وبالتالي التعيينات قد لا تحصل في جلسة الثلاثاء المقبل لمزيد من الدرس.

 من جهة ثانية، لفت عضو كتلة التنمية والتحرير النائب قاسم هاشم  الى أن لا جديد في مشروع الكابيتال كونترول وقد اصبح خارج التداول، كاشفا ان وزير المال غازي وزني سحب المشروع، معلقًا انتهى الأمر. وليكن بعلم الجميع انه لغاية الان لا خطة انقاذية ويجب ان يُسأل عنها من هم في الغرف السوداء.

ختاماَ لم يقتنع الكثيرون ان حكومة مواجهة التحديات هي حكومة بعيدة عن السياسات الداخلية الضيقة وتأثيراتها على العمل التنفيذي للسلطة الثالثة في البلاد، ولعل السياسيين ساهموا في ترسيخ هذه القناعة لدى اغلب الرأي العام، بمواقفهم وشروطهم وطلباتهم. لكن ثمة من يرى ان الاعباء الملقاة على البلاد والعباد وعلى الحكومة، وما تتطلبه من قرارات وإجراءات سريعة وفعّالة هي اكبر وأهم من خلافات السياسيين على رزمة تعيينات، لن تفيد المواطن ولن تقدم شيئاً إضافياً يحل المشكلات الكبرى والخطيرة القائمة التي تعانيها البلاد والعباد. ولكن، ولأنّ المكتوب يقرأ من عنوانه، والعنوان ينتقل من التشكيلات القضائية وغيرها من التعيينات، ويمرّ عبر الخطة الإصلاحيّة الموعودة، فقد يكون لزاماً على الحكومة أن تتحرّك وقبل فوات الأوان.