بتنا وكأننا نعيش في كونفدراليات واضحة المعالم أكثر من أي يوم مضى.
 

صحيح أن وباء الكورونا المنتشر في كل أرجاء العالم، قد ساوى بين الشعوب والمناطق والمساحات على كامل الكوكب، وانتفت معه التصنيفات المعروفة للعوالم، فلم يبق عالم أول وآخر ثاني وثالث، فالتصنيفات الجديدة لم تعد تعتمد على حجم الاقتصاد أو مستوى الدخل ولا على القوة العسكرية، وإنما هي تقاس الآن فقط بحجم تفشي الوباء وما يحصده من أرواح لديها.

يبقى أن الملفت في لبنان، هو تمايزه عن باقي بلدان العالم، بمظاهر وأنها كشفت للمرة المليون حجم تفسخ الدولة ومؤسساتها والهوة العميقة بينها وبين المجتمع والمواطن، وهذا الامر يبدو جليا من خلال حجم التبرعات للمؤسسات الانسانية (الصليب الاحمر) أو للكادر الطبي العامل في مستشفى رفيق الحريري بشكل مباشر مع تأكيد معظم المتبرعين بضرورة عدم مرورو تبرعاتهم عبر قنوات الدولة الكلاسيكية، وأيضا مع هزالة المتبرعين لصندوق الدولة الذي أنشأ لهذا الغرض، باستثناء جمعية المصارف بمبلغها المتواضع مقارنة بحجم أرباحها وبخلفية لم تعد تخفى على أحد.
 
هذا من جهة ومن جهة أخرى، فقد شاهدنا وشاهد اللبنانيون المبادرات الحزبية في مجال مواجهة الوباء، هذه المبادرات وإن كانت مشكورة في هذه اللحظة إلا أنها تأتي بسياق غياب الدولة عن القيام بواجباتها ولم تأت كعامل مساعد لها، فالأحزاب تعقم المناطق والشوارع، والأحزاب توزع المعونات والمساعدات والأحزاب تفرض وتراقب عمليات الحجر المنزلي للمواطنيين، والأحزاب هي التي تشرف في مناطقها على الوضع الصحي، حتى بتنا وكأننا نعيش في كونفدراليات واضحة المعالم أكثر من أي يوم مضى .

اقرا ايضا : هل طار مارمخايل مع الفاخوري؟

 

صحيح أن المذكور أعلاه، ليس هو حالة مستجدة، وكنا نعاني منها حتى قبيل الازمة، إلا أن خطورة الأمر تكمن الآن أكثر من أي زمن مضى وتحديدا على الثوار الذين ليس لهم انتماء إلا لما كان يحلمون به من دولة حقيقية ترعى شؤونهم وتدير أحوالهم، هؤلاء تحديدا يشعرون الآن بأنهم متروكون لمصيرهم، فلا هم يحسبون من رعايا الأحزاب ولا "الدولة " التي يحلمون بها موجودة .
 
هؤلاء الثوار المتهمون زورا بانتمائهم "للسفارات" ومصنفون زورا بأنهم من أصحاب الرواتب التي تصلهم من مجهول، يعيشون الآن أسوء حالاتهم، حتى أنهم لا يتأملون بوصول شيء لهم من المساعدات التي أعلنت حكومة دياب عنها، لأنهم يعرفون أنها ستوزع من خلال البلديات الحزبية أو من خلال المؤسسات التي تسيطر عليها هذه الاحزاب وبالتالي فهم خارج التغطية حتما.
 
أصعب ما في الأمر أن كل من نزل إلى الشارع وهتف ونادى بقيام دولة حقيقية، هو الآن أمام مفترق عصيب، فإما يتخلى عن الحلم تحت وطأة العوز فينصاع إلى سياسة الأمر الواقع (إن استطاع الى ذلك سبيلا) ، أو يستمر بالقبض على حلمه، بما يحمل هذا التمسك من لهيب جمر الفقر والجوع، بالأخص أن الثورة لم تصل بعد إلى مكان تستطيع أن تفرض نفسها "كحزب" بديل ولو لمرحلة انتقالية قبل تحقيق هدف قيام الدولة، ولا هي بمقدورها فرض أداء وطني على الحكومة القائمة  ... أعان الله الثوار  .