وكلّ أيديولوجيا تدعي أنّها قبضت على حقيقة هذا الدين بعينها. وكلّ أيديولوجيا دينيّة تنفي الأيديولوجيّات الدينيّة الأخرى وتنعتها بالضلال. لكنَّ الأحداث غالبًا ما تثبت زيف الأيديولوجيات الدينيّة وغير الدينيّة. لكنّ أتباع الأيديولوجيّات لا يأبهون ولا يعطون أيّ اعتبارٍ لهذه الأحداث، بل ويصرّون على أيديولوجيّتهم ويدعون الغير لاعتناقها. ولا يسمحون بنقدٍ جذريٍّ لها. هكذا نعاني من الأيديولوجيّات الدينيّة التي تريد أن تُقَوْلِبنا وتقنعنا بما لديها من أفكارٍ وعقائدَ وأن نطبِّق ما تقترحه من سلوكات.
 

تختلف الأيديولوجيا عن الفلسفة. فالفلسفة للجميع، للبشريّة جمعاء، للإنسان بما هو إنسانٌ عاقلٌ ينهمّ بالأسئلة التي يطرحها العقل بطبيعته. وهي عبارةٌ عن وجهات نظرٍ تمثِّل بادراتٍ فلسفيّةً يقوم بها عباقرةٌ أفذاذٌ نسمِّيهم فلاسفة. وجهات النّظر هذه لا تدعي القبض على الحقيقة. ولكلِّ وجهة نظرٍ حقيقتها الخاصة بها. وبما أنّ الفلسفة تتوجّه إلى الجميع، فإنّ كلّ فيلسوفٍ ينطلق من فروضٍ ومزاعمَ ومسلّماتٍ ضمنيّةٍ أو صريحةٍ في قوله الفلسفيّ، بإمكان كلِّ إنسانٍ أن يؤمن بها وينطلق منها لبناء العمارة الفلسفيّة التي ينادي بها الفيلسوف ويبنيها. وكلّ بناء فلسفيّ يحتمل النقد. وبحسب اطلاعنا على تاريخ الفلسفة فإنّ أيّ فلسفةٍ لم تصمد، بل وتحوّلت جميع الفلسفات إلى أنقاض.  أمّا الأيديولوجيا فهي فكر جماعةٍ معيّنةٍ. وهي، في الأصل، تتوجّه إلى أفراد هذه الجماعة مهما قلّ عددها أو كثر. ولا يمكن للأيديولوجيا أن تتوجّه إلى البشريّة جمعاء؛ لأنّها تنطلق من مسلّماتٍ يؤمن بها أفرادها. ومن الصعب أن يسلِّم بها كلُّ البشر. هكذا تنشأ أيديولوجيّاتٌ ويكون لها أتباعٌ، غالبًا ما يؤمنون بها من دون نقاشٍ كبيرٍ، فتسلمَ الأيديولوجيات من النقد. بناءً عليه، قد تتحوّل فلسفةٌ ثوريّةٌ وحتى علميّةٌ في وقتٍ من الأوقات إلى أيديولوجيا. وذلك عندما تتحوّل إلى مجموعة آراءٍ جامدةٍ ونهائيّةٍ لا يجوز أن يمارس النقد عليها كما هو حال الفلسفة الماركسيّة التي تحوّلت إلى مجرّد أيديولوجيا ماركسيّة ما لبثت أن انهارت مع انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكيّة. والأيديولوجيا الدينيّة هي الأيديولوجيا التي تنشأ حول الدين. فتبني حوله منظومة أفكارٍ وسلوكاتٍ معيّنةٍ وخاصّةٍ بجماعةٍ معيّنةٍ. تنشأ هذه المنظومة وتكتمل عبر التاريخ وتتمّ المحافظة عليها من جيلٍ إلى جيل. فلا يتمّ الاكتراث لما يجري في العالم، عبر قرونٍ، من أحداثٍ سياسيّةٍ وعلميّةٍ وفتوحاتٍ فكريّة قد تطيح بهذه المنظومة. فجميع هذه الأحداث تفسَّر بشكلٍ لا يتعارض مع الأيديولوجيا. وتتوجّه الأيديولوجيا الدينيّة إلى جماعةٍ معيّنةٍ وتدعي الصواب في ما تقول كما تدعي القبض على حقيقة الدين بعينها. ما عداها يصبح باطلًا. أتباعها هم المؤمنون وغيرهم على ضلال. لذا، لا يمكن أن تتوجّه إلى البشريّة جمعاء. ولهذه الجماعة سلوكاتٌ معيّنةٌ وفهمٌ معيّنٌ للدين.  أمّا الدين فهو، في رأينا، مفتوحٌ ومتاحٌ للجميع. وهو يخضع دائمًا للفهم وإعادة الفهم بحسب العصور. فلا يمكن للدين (كالدين الإسلامي الذي يتجسّد بشكلٍ خاصٍّ في القرآن الكريم) أن يكون أسير فهمٍ معيّن في ظروفٍ زمانيّةٍ ومكانيّةٍ وفكريّةٍ معيّنة. هكذا تتكاثر الأيديولوجيّات الدينيّة حول الدين الواحد نفسه. وكلّ أيديولوجيا تدعي أنّها قبضت على حقيقة هذا الدين بعينها. وكلّ أيديولوجيا دينيّة تنفي الأيديولوجيّات الدينيّة الأخرى وتنعتها بالضلال. لكنَّ الأحداث غالبًا ما تثبت زيف الأيديولوجيات الدينيّة وغير الدينيّة. لكنّ أتباع الأيديولوجيّات لا يأبهون ولا يعطون أيّ اعتبارٍ لهذه الأحداث، بل ويصرّون على أيديولوجيّتهم ويدعون الغير لاعتناقها. ولا يسمحون بنقدٍ جذريٍّ لها. هكذا نعاني من الأيديولوجيّات الدينيّة التي تريد أن تُقَوْلِبنا وتقنعنا بما لديها من أفكارٍ وعقائدَ وأن نطبِّق ما تقترحه من سلوكات.