التحركات إذا ما انفجرت مجدداً لن يكون من السهل إخمادها، ولن تكون في الإطار السلمي فقط كما كانت أيام 17 تشرين، لأن الجوع يفتك بالشعب، والشعب إذا ما جاع سيأكل حكامه.
 

التردد والعجز وحده سيّد الموقف حيث أن الدولة وأركانها بحالة شلل، لا قرار بعد بشأن دفع استحقاق اليوروبوند. مع كل يوم يمرّ تسوء الحالة أكثر، وتتفجر في مجالات مختلفة، ها هو الدولار يقفز للمرة الأولى منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى ما فوق الألفين وخمسمائة ليرة. أصبح على مشارف الثلاثة آلاف، ولا أحد من أركان الحكم قد رفّ له جفن. الجميع يؤجل المشكلة، يستثمر بالوقت، الذي أصبح قاتلاً للبلاد والعباد، بدون أي قدرة من الجهات او المرجعيات على اتخاذ قرار يوقف النزيف.  القرار متروك إلى الربع الساعة الأخير. إلى صباح السبت قبل يومين من الموعد المفترض لسداد الدين. المهلة المتبقية غير كافية للدخول في مفاوضات مع الدائنين لإعادة جدولة الدين.

 

 هناك إجماع سياسي على تأجيل الدفع، في مقابل إجماع مصرفي على دفع هذا الإستحقاق والبحث في إعادة جدولة إستحقاقي نيسان وحزيران. بحال دفع لبنان إستحقاق الإثنين المقبل، فإن الدولار سيفتقد من السوق، وسيرفع الدعم عن الكثير من المواد الأساسية كالطحين والمحروقات والدواء، ما سيؤدي إلى مشكلة إنسانية، كما أن سعر صرف الدولار سيتخطى الثلاثة آلاف ليرة. أما بحال عدم الدفع، وعدم الإتفاق على صيغة لإعادة الجدولة، فإن ذلك سيؤدي إلى إجراءات قاسية ضد الدولة اللبنانية وأصولها في الخارج، أولاً ستخسر الثقة بها، ولن يكون بإمكانها الحصول على أي مساعدة من أي جهة، ثانياً قد يتم تجميد أو حجز الكثير من أملاكها الخارجية، الأمر الذي سينعكس سلباً بشكل معنوي على الوضع المالي والإقتصادي، وسيؤدي إلى المزيد من الإرتفاع في سعر صرف الدولار مقابل الإنحدار أكثر نحو إنهيار سعر صرف الليرة.

 

تكشف مصادر سياسية متابعة ان النظرة الدولية للبنان غير مريحة، وأن قابل الأيام يحمل مؤشرات سلبية تجاه التعاطي الخارجي مع لبنان بفعل الإصرار على تصوير لبنان بأنه ما زال عاجزاً عن إنجاز الإصلاحات المطلوبة كمقدمة لمساعدته . وفوق هذا كلّه، فإن المصادر تقول بأن الولايات المتحدة الأميركية ما تزال تضع لبنان في الحجر المالي والاقتصادي، وهذا التوجه الأميركي يُشكّل عقبة أساسية امام لبنان، حيث ان هناك الكثير من الدول التي ترغب في مساعدة لبنان، الا انها ما تزال تنتظر الضوء الأخضر الأميركي الذي على ما يبدو ما يزال بعيداً . عموماً، يرى كثيرون في المواقف الدولية المستجدّة محاولة إنعاشٍ لـ الانتفاضة اللبنانية، بعد تراجع وهجها في الآونة الأخيرة، وخصوصاً بعد ولادة حكومة حسّان دياب، بموجب مهلة السماح التي ارتأت بعض المجموعات منحها إياها، انطلاقاً من القناعة بأنّ الفراغ قد لا يكون الحلّ الأفضل في الوقت الحاليّ، بل من شأنه التسريع في الانهيار الشامل الذي لا يتمنّاه أحد. العواصم الاوروبية المهتمة بالملف اللبناني لا تملك تصوراً واضحاً للمسار الذي ستسلكه الأزمة الحاصلة.

 

 صحيح انها ليست مقلقة على المدى البعيد لسبب بسيط، وهو انّ الاقتصاد اللبناني صغير وانّ إنقاذه في نهاية الامر ليس بالمسألة المستعصية، الّا انّ هذه العواصم ليس لديها خطة ب في حال عجزت هذه الحكومة عن الصمود واتّجه الوضع الى مزيد من الانهيار . وسط هذه العواصف من الأزمات، والتي لا يبدو المسؤولين أنهم في وارد التعاطي معها بجدية، لا يزال التمترس المصلحي يتغلب سواء في التنافس على التشكيلات القضائية، أو في تسجيل النقاط في إطار الإصرار على التعامي والانكار عن الواقع المعاش، والذي انفجر في 17 تشرين، بينما هناك من يصر على أن لا يتعلم من التجربة، وينظر إلى موقعه وكأنه تخطى تلك الثورة الشعبية التي بدأت تباشير تجددها تلوح بالأفق، من خلال التحركات التي تشهدها العاصمة بيروت والضاحية الجنوبية ومختلف المناطق الأخرى، فيما أرسل المتظاهرون رسائلهم التحذيرية من خلال قطع بعض الطرقات في مناطق عديدة للتذكير بأن التحركات قابلة للعودة في أي لحظة، وقابلة للانفجار بارتفاع سعر الدولار، والتناتش على المواقع والمناصب وأزمة كورونا وغيرها من الأزمات، التحركات إذا ما انفجرت مجدداً لن يكون من السهل إخمادها، ولن تكون في الإطار السلمي فقط كما كانت أيام 17 تشرين، لأن الجوع يفتك بالشعب، والشعب إذا ما جاع سيأكل حكامه.

 

 المشكلة تكمن أيضاً وخصوصاً في عدم ثقة الشارع اللبناني بالطبقة السياسية وبإمكانية تجاوز الأزمة الحادة التي تكاد تخنق لبنان. المشكلة الفعلية التي تواجهها الحكومة هي في إنعدام الثقة الخارجية والداخلية في شفافية الطبقة السياسية ،الامر الذي سيؤدي حتما في نهاية المطاف فقدان لبنان للثقة الدولية وهذه المسألة بدت شبه أكيدة من خلال نعي رئيس الحكومة لقدرة الدولة على حماية اللبنانيين وأن يقول رئيس السلطة النفيذية أن البلد خراب ومنتهي فأي رسالة يوجهها الى الخارج وهو الذي يسعى اليها للمساعدة والانقاذ . 

 

انّ جذر الازمة لا يتلخّص فقط في الجانب الاقتصادي والمالي، فهنالك الجانب السياسي والحملة التي تَشنّها واشنطن على طهران ومعها حزب الله. حيث ان الصراحة والشفافية عند هذه النقطة تحديداً تتوقف شهرزاد عن الكلام المباح .