تميّز لبنان عن دول المنطقة بديموقراطيته وحرياته السياسية والإعلامية والثقافية وتنوّعه وتداول السلطة داخله وقطاعاته التعليمية والاستشفائية والمصرفية والسياحية التي أعطته قيمة مضافة عن غيره، إلا أنّ هناك نوعاً من انطباع أن ما تقدّم من ميزات تفاضلية هو في خطر حقيقي.
 

تأسست الجمهورية اللبنانية على 4 ركائز أساسية: نهائية الكيان اللبناني وسيادة الدولة المطلقة من دون شريك داخلي ولا وصي خارجياً، مدنية الدولة التي لا تتناقض مع مشاركة الطوائف في السلطة في انكعاس لصورة المجتمع وبنيته، حياد لبنان عن نزاعات الخارج ومشكلاته، والنظام الليبرالي الاقتصادي الحر.

 

والملفت أنه بعد إسقاط الركيزة الأولى عن طريق انتهاك السيادة وتغليب منطق الثورة على الدولة منذ سبعينات القرن الماضي، ومن ثم إسقاط الركيزة الثانية من خلال نسف الشراكة لمصلحة الطائفة المميزة التي تصادر قرار الحرب والسلم، وإسقاط الركيزة الثالثة القائمة على معادلة «لا شرق ولا غرب» عن طريق توريط لبنان بأزمات المنطقة وتحويله ساحة نفوذ وورقة بيد دمشق وأخيراً طهران، فيما التجربة التاريخية تؤكد أنّ سقوط التحييد يؤدي إلى سقوط الاستقرار، جاء دور ضرب الركيزة الرابعة من باب الأزمة المالية.

 

وقد لمست القوى الساعية إلى تغيير دور لبنان انه على رغم إسقاط السيادة والشراكة والتحييد فإنّ مناعة المجتمع وليبراليّته حافظت على وجه لبنان التاريخي، إذ انّ كل الحروب المتعاقبة منذ العام 1969 لم تُفلح في ضرب صلابة المجتمع وتمسّكه بطريقة عيشه المتصلة عضوياً بحرياته ورفاهيته وارتباطه العضوي بأنظمته التعليمية والمصرفية والاستشفائية، فيما كل خشية هذه القوى ان تشكّل مناعة المجتمع مدخلاً لاستعادة السيادة وتصحيح الشراكة وإعادة العمل باستراتيجية التحييد، خصوصاً أنّ تجربة 14 آذار قدّمت مثالاً حياً على ذلك انه بعد 15 عاماً من الحروب و15 عاماً من الوصاية التي وضعت كل ثقلها لإبقاء الانقسام بين مكوّنات المجتمع، نجحت انتفاضة الاستقلال في إعادة توحيد القسم الأكبر من اللبنانيين حول مشروع الدولة.

 

وما حصل مع حركة 14 آذار تكرر مع حركة 17 تشرين الأول، التي وَحّدت الشريحة الأوسع من اللبنانيين المنتفضين من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال حول مفهوم الدولة، وذلك في دليل ثابت وقاطع الى انّ العبور إلى الدولة مسألة حتمية مهما طال الزمن أو قصر، إن من الباب السيادي أو الباب المعيشي. وبالتالي، الحلّ الوحيد لإبقاء لبنان ساحة مُستباحة يكمن في ضرب اقتصاده الحر الذي ينعكس مباشرة على نمط عيش الناس التي تصبح في حكم المعطّلة بسبب سوء أوضاعها المعيشية وهمومها الحياتية فتسقط أي إمكانية لقيام الدولة.

 

فما يحصل غير بريء على الإطلاق، ويدخل في سياق مؤامرة هدفها «فرطَعة» المجتمع من خلال ضرب نمط عيشه من أجل تغيير وجه لبنان التاريخي الذي لم تنجح الحروب ولا الوصاية في تغييره، لأنه كان الظن أنّ بإسقاط السيادة كافٍ لإسقاط الدولة، ولكن تبيّن انّ مناعة المجتمع قادرة على إعادة تحقيق السيادة. وبالتالي، إنّ ضرب أي احتمال من هذا القبيل يتطلّب نسف الركيزة المالية بغية تحويل أولويات اللبنانيين وهمومهم معيشية لا وطنية.

 

وهناك من يحاول اليوم أن يستغل غضب الناس وأن ينقل تركيزهم من المواجهة مع القوى التي تمنع قيام الدولة إلى المواجهة مع المصارف، أي بنقل المعركة من المواجهة الرئيسية إلى المواجهة الثانوية، وهذا الكلام لا يعني دفاعاً عن المصارف ودورها ولا تبرئة لسياساتها ولا التقليل من مسؤوليتها في الانهيار الحاصل، ولكن المسؤولية الأساسية تقع على الأكثرية الحاكمة والمتحكّمة بالقرار السياسي، وأي محاسبة يجب ان تكون لهذه الأكثرية لأنه لو طُبّقَت القوانين والتزمت بالمعايير لَما تجرأت المصارف على المخالفات التي حصلت بتسهيل هذه الأكثرية او بتواطئها.

   

فالمسؤولية الأولى والأخيرة تقع على السلطة السياسية، ومحاسبة المصارف لن تعيد الانتظام ولا الاستقرار المالي، بل تعني محاسبة الوكيل لا الأصيل، وعودة الاستقرار والإزدهار مدخلها تغيير هذه السلطة التي من مسؤوليتها من دون شريك ان ترسم السياسات المالية العامة وفي حال مخالفة المصارف لهذه السياسات تتم محاسبتها، فيما الحاصل اليوم هو محاولة تَنصُّل السلطة من مسؤوليتها ورميها على غيرها، والأسوأ انّ هذه السلطة نفسها التي تغطي انتهاك السيادة والشراكة والتحييد تريد رمي المسؤولية عن كاهلها في سياق خطة مُحكمة لضرب دينامية الثورة وتفكيك المجتمع وتغيير وجه لبنان.

 

فالانقضاض على 14 آذار بدأ بالاغتيالات السياسية، وتوِّج باستخدام «حزب الله» لسلاحه في 7 أيار 2008. وبما أنّ استخدام الأسلوب نفسه للانقضاض على 17 تشرين الأول غير ممكن لاختلاف المعطيات والظروف والوقائع، فإنّ أسهل الطرق لضرب دينامية الانتفاضة التشرينية يكمن في تخويف الناس من حاضرها ومستقبلها وضرب نمط عيشها الذي مَيّزها واعتادت عليه منذ قيام الجمهورية اللبنانية، وحَرف المواجهة من إسقاط السلطة إلى إسقاط المصارف، وهذه أكبر خديعة يتعرّض لها الشعب اللبناني حيث انّ السلطة هي التي أقرّت منذ العام 1992 التشريعات والموازنات والقوانين ورسَمت السياسات المالية. وبالتالي، المسؤولية تقع على السلطة المُمسكة بالقرار والمتعاقبة وصولاً إلى فشل الأكثرية الجديدة، ومحاولات التهرّب من المسؤولية وتقديم «كبش محرقة» لن تمر.

   

وإذا كانت القوى الساعية إلى تغيير وجه لبنان من أجل إبقائه تحت هيمنتها قد نجحت في ضرب السيادة والتحييد والشراكة، فإنها لا محالة ستفشل في ضرب نمط عيش الناس المتّصلة بخصوصية المجتمع اللبناني، لأنّ المواطن اللبناني لن يقبل العيش في دولة شيوعية بعد سقوط المنظومة الشيوعية في العالم، والمواطن اللبناني لن يتنازل عن أسلوب عيش كان السَبّاق في إرسائه في هذه المنطقة ثقافياً ومالياً وسياحياً ومصرفياً واستشفائياً، والمواطن اللبناني لن يقبل المَس بخصوصيته والدخول إلى منزله وغرفة نومه بعد تهديم كل المنزل اللبناني. وإذا كانت تعتقد هذه القوى أنّ القضاء عل الثورة سيتحقق عن طريق إلهاء الناس بهمومها، فإنّ المساس بآخر مربّع لها المتّصِل بيومياتها وعاداتها سيدفعها إلى الثورة الشاملة، في اعتبار انّ هذه السياسة لا تستهدف فريقاً معيناً بل تستهدف جميع اللبنانيين.

 

والناس لن تخطئ العنوان، والعنوان واضح هو انّ المشكلة كانت وما زالت في القوى المُمسكة بمفاصل السلطة والقرار، ويستحيل العبور الى شاطئ الأمان المالي والسياسي من دون تغيير هذه القوى التي تتحمّل وحدها مسؤولية الانهيار السياسي والمالي، كما أنّ الناس لن تغفر لها وستحاسبها في أقرب استحقاق بسبب محاولاتها المتواصلة لتغيير وجه لبنان الحضاري والتاريخي والثقافي والقيمي والليبرالي، وهذه المرة من الباب المعيشي والمالي والمجتمعي.