فإن لبنان وفق المتابعين سيدخل في أجواء سياسية تصعيدية محمومة، وكل ذلك بانتظار حصول حلول ما من المجتمع الدولي لكنها غير قريبة على اعتبار ثمة انشغال دولي بما يجري بين تركيا وسوريا على الحدود بين البلدين، كذلك ما يحصل بين إسرائيل وغزة والتصعيد الإسرائيلي في هذا السياق، وكل ذلك على خلفية صفقة القرن وما يمكن أن تُخلّف من تداعيات قد لا يكون لبنان في منأى عنها في هذه المرحلة .
 

لبنان جزء لا يتجزء من واقع المنطقة على المستوى الجيوستراتيجي وبذلك  من المؤكد بأنه ليس جزيرة معزولة عن محيطها، هذه المسألة يجب التسليم بها محلياً قبل الحديث عن أي أمر آخر،خصوصاً مع دخوله اسبوعاً حاسماً في العديد من الملفّات، أبرزها كيفيّة التعامل مع إستحقاق سندات اليوروبوند في التاسع من آذار الجاري، الأمر الذي سيكون له تداعيات كبيرة بغض النظر عن الخيار الذي ستذهب إليه حكومة مواجهة التحديات، سواء بالنسبة إلى الدفع أو عدم الدفع، رغم أن معظم الترجيحات بات تميل إلى الخيار الأول على نحو حاسم. حيث بات البلد يجتاز مرحلة بالغة الحساسية والخطورة لتشابك السياسي والمالي والصحي .

 

كما أصبح واضحاً ومن خلال المعلومات من أكثر من مصدر سياسي أن وفد صندوق النقد الدولي عاد خائباً بعدما توصل إلى نتيجة واضحة من قبل المسؤولين اللبنانيين الذين التقاهم مفادها أن العملية الإصلاحية التي طالب بها الصندوق وعوّل عليها فإنها صعبة المنال ودونها عقبات سياسية وسواها .

 

وعليه ليس هناك ما يوحي بأن الحلول ستكون قريبة من قبل الدول المانحة لدعم لبنان ولا سيما أن هناك تطورات سياسية طرأت في الآونة الأخيرة، على الموضوع اللبناني ،ما يعني أن الدول المانحة وعلى وجه التحديد الولايات المتحدة الأميركية لن يقدموا في مثل هذه الظروف والتطورات الجارية في المنطقة على أي خطوة تُعتبر بمثابة المغامرة في لبنان في ظل حكومة يعتبرونها ذات لون واحد ، وصولاً إلى الانقسام السياسي بين الأفرقاء اللبنانيين، ما يُصعّب مهمة الحكومة اللبنانية في إيجاد الحلول للديون المتراكمة وصولاً إلى العملية الإصلاحية المالية ، ولذلك هناك معلومات عن أجواء لا توحي بالتفاؤل وهي اللجوء إلى التصعيد السياسي من قبل الحكم والحكومة تجاه معارضيهم، دون إسقاط بروز حالة من التصدع بين القوى الداعمة للحكومة أيضاً  بدليل الانقسام بين أقطاب السلطة الواحدة ومكوناتها على حل مشكلة الكهرباء المزمنة،ذلك لا يؤثر على تأخير التوصّل إلى الحلول المطلوبة التي تضع حداً لمعاناة اللبنانيين من هذه المشكلة المستعصية وتوقف استنزاف خزينة الدولة فحسب، بل ينعكس سلباً على الخطط التي تعدها الحكومة مع المؤسسات المالية الدولية للمساعدة في حل المشكلة المالية والاقتصادية والمعقدة التي تواجه لبنان حالياً .

  مداهمة مواعيد الإستحقاقات لم تعد تسمح بترف النقاش والتنظير، والرهان على  حصول معجزات في اللحظات الأخيرة، بقدر ما يجب توفر الشجاعة اللازمة من أهل الحكم  لتجرُّع الكأس المرّة، ومصارحة الناس بالأعباء الواجب تحملها جميعاً، وخاصة المنظومة  السياسية وأزلامها في الإدارات العامة، للعمل معاً على الخروج من هذا النفق المالي المظلم،  وإستعادة بعض الثقة التي سُفكت على مذبح المحاصصات الفاضحة والمغانم الرخيصة لأهل السلطة . ولا بد من الإشارة الى انّ حال القلق التي تعيشها حكومة مواجهة التحديات لا تقف عند قضية اليوروبوندز وما يمكن القيام به للتخفيف من تقنين الدولار الأميركي عبر قانون ينظّم الكابيتال كونترول أو الهير كات. ففي موازاة هذه الهموم، البلد غارق في أزمة كورونا على وَقع مزيد من العقوبات الأميركية المرتقبة على حزب الله وأصدقائه. وما الذي يمكن ان تعكسه العقوبات الأميركية المتواصلة على حزب الله أشخاصاً ومكونات والتي صدرت منها دفعة في الأمس القريب مع ترقّب أخرى في وقت ليس ببعيد.

 

بموازاة ذلك برز ما نُقل عن مصدر فرنسي رفيع المستوى عبّر عن قلقه من مقاربة المسؤولين اللبنانيين لاستحقاقات الديون الخارجية، معتبراً ان التخلف عن الدفع من دون تفاهم مع الدائنين سيؤدي حكماً إلى الانهيار الكامل يصعب على الحكومة تحمّله، شعبياً ودولياً، وعندئذٍ لا يمكن تقديم أي مساعدة للبنان إلا من خلال وصاية مالية، وتنفيذ شروط صندوق النقد الدولي. المعلومات تشير إلى أنّ في الحكومة وجهتي نظر الأولى تجد أنّ من المنطقي التجاوب مع مطالب الصندوق والمؤسسات الدولية والجهات المانحة ضمن الحدود التي لا بدّ منها. وفي رأي هذا الفريق، أنّ البديل هو سقوط الحكومة والبلد في هوّة لا صعود منها. ويبدو دياب نفسه أقرب إلى هذه النظرة، ومعه العديد من الوزراء.

 

إقرأ أيضًا: لبنان بحاجة الدعم الدولي ومواجهة إدلب تُسقط النأي بالنفس

 

 

الثانية، هي الإصرار على رفض التعاون مع صندوق النقد، إلّا ضمن الحدود الاستشارية التي جاء بها الوفد إلى لبنان. ويمثّل هذا الرأي حزب الله تحديداً. ويضغط الحزب للحصول على دعم من حليفه المسيحي التيار الوطني الحرّ.

  وهذا التصدّع داخل حكومة دياب بدأ ينكشف سريعاً مع استنفاد الوقت وازدياد الضغوط الدولية على الحكومة لإقرار خطة الإنقاذ المالية النقدية الاقتصادية، التي سيكون من ضمنها التعاطي مع سندات الدين الداهمة، إذ لا يمكن الاجتزاء بين السندات والخطة. وعلى الأرجح، لن تكون العقوبات الأميركية المتنامية على حزب الله وحلفائه، والتي يتردّد كلام عن احتمال توسيعها قريباً، منفصلة عن هذه الضغوط. وتوحي الأجواء في حكومة دياب، أنّ الفريق المعارض لأي تدخّل لصندوق النقد يستعدّ للتصعيد، لأنّه يخشى أن يكون ذلك بداية لانتزاع كل أوراق القوة التي يملكها، بالمال ثم الاقتصاد فالسياسة وصولاً إلى الأمن.

 

انّ الاستحقاق الداهم، يتعلق بمدى علاقة لبنان بالشرعية الدولية، وانّ حزب الله يضع عراقيل امام حكومة لبنان والدولة اللبنانية من اجل منع التكامل بينها وبين الشرعية الدولية. وهي ليست المرة الاولى، فمنذ 2005 واجه لبنان مشاكل مفصلية، من اغتيال سياسي، الى قرار السلم والحرب مع اسرائيل، وحاضراً يواجه لبنان الازمة الاقتصادية.

 

 بالمختصر، حال دياب المربك اعلن للبنانيين اضطراره مكرهاً الى الخيار الاصعب، وطريق الجلجلة، اي تنفيذ ما يريده حزب الله، لأنّ الخيارات الاخرى بحسب رئيس حكومة الإنقاذ هي اخطر بكثير. فإن لبنان وفق المتابعين سيدخل في أجواء سياسية تصعيدية محمومة، وكل ذلك بانتظار حصول حلول ما من المجتمع الدولي لكنها غير قريبة على اعتبار ثمة انشغال دولي بما يجري بين تركيا وسوريا على الحدود بين البلدين، كذلك ما يحصل بين إسرائيل وغزة والتصعيد الإسرائيلي في هذا السياق، وكل ذلك على خلفية صفقة القرن وما يمكن أن تُخلّف من تداعيات قد لا يكون لبنان في منأى عنها في هذه المرحلة . وأمام الأجواء السياسية الراهنة داخلياً وإقليمياً فإن الأوضاع مفتوحة على كافة التوقعات والاحتمالات .