تحوّلت الدعوة التي وجّهها المهندس محمد عرب لعقد لقاء تشاوري حول "العمل البلدي ومعوّقاته" إلى منصّة انطلقت منها سلسلة تحذيراتٍ خطرة تتعلّق بأوضاع مدينة طرابلس وكيفية التصدّي للأزمات الزاحفة عليها، سواء فيما يتعلّق بمسار العمل البلدي والحائط المسدود الذي وصل إليه، لأسبابٍ متداخلة، أو بما يتعلّق بواقع المدينة الاقتصادي والاجتماعي ومدى تأثير الثورة فيه وعليه. فخرجت من أعضاء المجلس البلدي المشاركين معطياتٌ هي أقرب إلى الفضائح، تسهم في تأكيد الاستنتاج بأنّ الفيحاء باتت اليوم في غرفة عناية فائقة تفتقد إلى الأوكسيجين وإلى المعدّات الطبية..

 

يمكن الوقوف عند مبادرة المهندس محمد عرب باحترام وتقدير، في ظلّ جمود آليات التنسيق والتواصل المدني والاجتماعي، خاصة بعد أن تموضعت مجموعات الثورة في ساحة النور، وعاد الكثيرون أدراجهم إلى مواقعهم العملية والاجتماعية، فتشكّل اللقاء بإدارة الدكتور باسم البخاش، وضمّت نخبه الحاضرة محطة هادئة سادها نقاشٌ علمي وموضوعي حول قضايا شديدة السخونة، وهذه ميزة نادرة لمثل هذه اللقاءات.

أولى القنابل ألقاها المهندس جميل جبلاوي الذي حمّل مسؤولية الفوضى التي تدبّ في أوصال المدينة إلى الأجهزة الأمنية التي تغطي الزعران وتسمح لهم باحتلال الشوارع والساحات، وتمنع تطبيق القانون في كل أرجاء طرابلس، وتتدخلان في كل صغيرة وكبيرة، وتجعلان من شوارع الفيحاء مساحاتٍ للفوضى والأزمات المرورية والاجتماعية.

 

والواقع أنّ توصيف المهندس جبلاوي ينقصه استكمال الحقيقة، وهي التخادم الأمني – السياسي القائم في طرابلس. فلكل جهازٍ أمنيّ مجموعاته المنتشرة، والتي تعلن الولاء حسب الحاجة والموسم، لهذا السياسيّ أو ذاك، وبحسب المبالغ المدفوعة، وبحسب مستوى العلاقة بين الأمنيين والسياسيين، ومدى تلاقي المصالح أو تناقضها فيما بينهم. ويذكر الجميع كيف تنافس أمين عام تيار المستقبل أحمد الحريري والوزير السابق أشرف ريفي على الاستحواذ على المجموعات التي تحتلّ الشوارع تحت صورهما وبتغطيةٍ منهما، والأمر ذاته ينطبق على النائب فيصل كرامي الذي يفضّل التخصّص في السيطرة على مواقف السيارات والباصات و"تشريعها" بأشكالٍ مختلفة، وينطبق كذلك على النائب محمد كبارة وبقية نواب المدينة.

 

النقاش الآخر دار حول وضعية اتحاد بلديات الفيحاء وعلاقته بمحافظ الشمال رمزي نهرا، الذي كان من "إبداعاته" تفكيك غرفة الطوارئ في الاتحاد ونقلها إلى مبنى المحافظة، حارماً طرابلس والميناء والبداوي والقلمون من خدماتها الضرورية. وهذا يستدعي النقاش حول حقيقة الظلم الذي يطال مدن الفيحاء من الإتيان بهذا المحافظ المتطرف في حزبيته.

اللقاء أطلق نقاشاً جاداً وعميقاً، يفترض أن يتطوّر بروح الثورة، وضرورات التعاون، وحتمية الخروج من دائرة الفساد البائنة والمكشوفة

 

عضو المجلس البلدي محمد تامر طرح مسألة في غاية الأهمية، حين قال إنّه وأعضاء آخرون واجهوا صعوبة خلال بداية مشوارهم البلدي، في فهم واستيعاب الملفات وكيفية التعاطي معها، وفي إدراك مسارات الإدارة البلدية، وهذا واقع الحال بالنسبة إلى 90 % من المترشحين للمجالس البلدية.

 

تتوالى الملفات الملحّة والأسئلة الصعبة حول مستقبل طرابلس ودورها في لبنان والمنطقة، والواضح أنّ اللقاء أطلق نقاشاً جاداً وعميقاً، يفترض أن يتطوّر بروح الثورة، وضرورات التعاون، وحتمية الخروج من دائرة الفساد البائنة والمكشوفة.. إلا أنّ أخطر ما طرحه البعض هو أنهم ضاقوا ذرعاً بالظلم الذي يتعرضون له، وسئموا انتظار الدولة التي لا تأتي، إلا بالظلم والقمع، وبالنتيجة، فإنهم يئسوا من العيش مع من أفلسوا البلد. ويستمرون في "مصّ دماء الناس" وفي الارتهان للخارج، واعتبروا أنّ الحل الأمثل هو التخفّف من عبء الدولة، والذهاب نحو شكلٍ من أشكال اللامركزية وصولاً إلى الفدرالية، رغم أنه طرح لم يحظَ فوراً بالاهتمام الكافي، لكن يبدو أنّه سيحظى بالمزيد من التأييد في الآتي من الأيام.