فور الإعلان أمس عن إقرار اللجان النيابية المُشتركة إقتراح القانون الرامي الى ترخيص زراعة نبتة القنب للإستخدام الطبي والصناعي، بدأت تنهال الإتصالات على عدد من النواب، خصوصاً من فئة الشباب، لشكرهم «لأن صار فينا نلفّ وندخّن حشيشة». إلّا أنّ إقتراح القانون هذا لا يُشرّع «الحشيشة»، لا على صعيد الزراعة ولا على صعيد تدخينها وترويجها، بل العكس تماماً. فمن أبرز الأسباب الموجبة لشرعنة هذه الزراعة محاربة «الحشيشة» ومكافحة تعاطيها والإتجار بها.
 

أقرّت اللجان النيابية المُشتركة أمس إقتراح القانون الرامي الى تنظيم زراعة القنّب، بإجماع من الكتل النيابية كلّها بإستثناء «حزب الله».

 

وفي مستهلّ الجلسة أبدى النائب حسين الحاج حسن عن كتلة «الوفاء للمقاومة»، ملاحظاته على الإقتراح، ثمّ انسحب ونواب الكتلة من الإجتماع، وذلك لأنّ «إقتراح القانون لا ينصّ على جدواه الإقتصادية». ويعتبر «حزب الله» أن لا جدوى إقتصادية من هذه الزراعة أساساً، وسبق أن أعلن نوابه عن هذا الموقف في إجتماعات اللجنة النيابية الفرعية المُكلّفة درس هذا القانون.

 

إلّا أنّ الكتل النيابية الأخرى كلّها تؤيد إقتراح القانون هذا، ويؤكد نوابها الجدوى الإقتصادية لهذا التشريع وفوائده على المزارع والدولة وقطاعات عدة. ويشيرون إلى أنّ مؤسسة «ماكينزي» الدولية أوصت في الخطة الإقتصادية التي أعدتها للبنان عام 2018 بتشريع هذه الزراعة التي من المُقدّر أن تدرّ سنوياً نحو مليار دولار. إذ إنّ لبنان يتميّز عن غيره من البلدان التي تعتمد زراعة القنب، بميزتين تفاضلية وتنافسية، لناحية مناخه ونوع التربة في أراضيه، خصوصاً في منطقة البقاع، ولناحية أنّ كلفة هذه الزراعة في لبنان أقل من كلفتها في البلدان الأخرى، وبالتالي يُمكن لبنان أن يكون منافساً قوياً على الصعيد العالمي في هذا الإطار.

 

ويوضحون أنّ إقتراح القانون يُشكّل إطاراً عاماً لقوننة هذه الزراعة وتنظيمها، فيما أنّ الجدوى الإقتصادية ستتظهّر في كلّ مرحلة تنفيذية من عملية الإنتاج، التي تشمل قطاعات زراعية وصناعية وطبية وتجارية، وتحرّك الإقتصاد وتأتي بفائدة على الدولة.

 

في 27 صفحة ينظّم إقتراح القانون هذا عملية زراعة القنّب وإنتاجه وتصديره، ويحصرها في الإستعمالات الطبية والصناعية. وينص على تشكيل هيئة ناظمة لإدارة القطاع، يحقّ لها حصراً الترخيص بزراعة نبتة القنب وفق أحكام القانون نفسه وشروطه. ويحدّد الإقتراح مهمات هذه الهيئة، فضلاً عن سلطة الوصاية عليها وهي رئاسة مجلس الوزراء.

 

ويُشير عضو كتلة «التنمية والتحرير» النائب ياسين جابر الذي ترأس اللجنة الفرعية التي خُصصت لدرس قوننة زراعة القنب، إلى أنّ إقتراح القانون المُقرّ من اللجان ينيط إدارة هذه الزراعة بهيئة ناظمة، على عكس تخوّف كثيرين من أن تُنشأ إدارة مثل «الريجي» لتولّيها، مشدداً على الدور الكبير للقطاع الخاص في هذه العملية حسب ما ينص القانون. ويلفت الى «أنّ تشريع هذه الزراعة لدواعٍ طبية وصناعية يخلق فرص عمل كثيرة، في أكثر من مجال، ويأتي بمردود إقتصادي إيجابي للبلد».

 

ويلفت جابر ايضاً إلى «أنّ المزارع سيستفيد من هذه الزراعة، إذ إنّه سيزرع ضمن القانون من دون أن تُصدر مذكرات جلب في حقه، إضافة الى الربحية التي سيحققها، كذلك تستفيد الدولة من خلال تحريك الإقتصاد والضرائب التي ستجبيها من هذه الزراعة في مراحلها كلّها. ويركّز جابر على أن اللجنة الفرعية أقرّت إقتراح القانون هذا بعد درس معمّق، وبحث مع خبراء وإختصاصيين من داخل لبنان وخارجه والإطلاع على دراسات وخبرات وتجارب في هذا المجال.

 

وعلى الرغم من أنّ هذا القانون لا يحصر زراعة نبتة القنب في منطقة محددة، إلّا أنّ أكثر منطقة ستستفيد منه هي بعلبك ـ الهرمل ومحافظة البقاع عامة، إذ إنّها الأنسب لهذه الزراعة لجهة طبيعة مناخها وأرضها وتربتها. ويشير عضو تكتل «الجمهورية القوية» أنطوان حبشي الذي سبق أن تقدّم بإقتراح قانون في هذا الإطار، الى أنّ هذا القطاع متفلّت حالياً، إذ تنحصر الزراعة بنبتة القنب غير الشرعية التي تنتج حشيشة الكيف، كذلك يتحكّم التجار في هذا القطاع، ولا يستفيد منه المزارع أو الدولة.

 

وعلى المستوى القانوني، يوضح حبشي أنّ هذا القانون ينصّ على تشديد العقوبات على الزراعة غير الشرعية، إذ بعد إقراره لا حجة لأحد للإتجاه الى زراعات غير قانونية، بل يُمكن الجميع زراعة هذه النبتة لدواعٍ طبية وصناعية والتي تدرّ ربحاً على المزارعين. ويُطمئن حبشي المتخوفين الى «أنّ هذا القانون يُساهم بنحوٍ واسع في مكافحة المخدرات والإتجار بها، وينعكس إيجاباً على الصعيد الأمني، إذ إنّ كثيراً من المشكلات الأمنية مرتبطة بهذا القطاع غير الشرعي.

 

بدوره يوضح النائب شامل روكز الذي كان تقدّم وزميله عضو تكتل «لبنان القوي» ماريو عون بإقتراح قانون مماثل، أن النبتة التي يسمح هذا القانون بزراعتها تحتوي على نسبة 1 في المئة فقط من المخدّر، ولا تُستعمل إلّا لدواعٍ طبية وصناعية مثل إنتاج الألياف التي تُستخدم في صناعة الثياب والسيارات وغيرها. ويشير إلى أنّ إقتراح القانون الذي أقرته اللجان المشتركة يضبط هذه الزراعة من حيث نوعية الشتول والبذور، مروراً بالترخيص والمختبرات والتلزيم... وصولاً الى زراعة النبتة وبيع الموسم وتصديره، فعملية الإنتاج مدروسة في القانون بطريقة عميقة ودقيقة.

 

ومن أبرز فوائد قوننة زراعة نبتة القنب «الشرعية، أنها تشكّل زراعة بديلة للمزارعين في البقاع فيما فشلت الزراعات الغذائية البديلة لـ»الحشيشة»، ويشير عضو كتلة «الكتائب اللبنانية» النائب الياس حنكش الى أنه وفق الدراسات يجني المزارع بين 900 و1000 دولار مقابل «دونم» واحد من نبتة القنب، فيما أنه يجني 100 و250 دولاراً من الزراعات الأخرى. وإذ يؤكّد أنّ هذا القانون إذا طُبّق ضمن الضوابط التي ينص عليها سيأتي بفائدة كبيرة على الإقتصاد، يقول: «تبقى العبرة في التنفيذ».

 

إذاً لبنان اليوم أمام خطوة واحدة لتشريع زراعة القنب لدواعٍ طبية وصناعية، عبر إقرار إقتراح القانون في الهيئة العامة لمجلس النواب. وعلى رغم تحفّظ «حزب الله» إلّا أن رئيس مجلس النواب نبيه بري «ماشي» في تشريع هذه الزراعة لـ»أنها مفيدة للبلد». ومن المُفترض أن يقرّ هذا الإقتراح بسلاسة عندما يُدرجه بري على جدول أعمال جلسة تشريعية، إذ إنّ الكتل النيابية كلّها تؤيده بإستثناء كتلة «الوفاء للمقاومة».

 

وفي حين ردّ «الحزب» تحفّظه عن إقتراح القانون هذا لأنه يغفل ذكر الجدوى الإقتصادية منه، تشير مصادر مطلعة على موقفه، الى أنّ من أسباب تحفُّظه أيضاً، التأثير السلبي لتشريع زراعة هذه النبتة على الزراعات الغذائية وتخوّفه من استغلال هذا التشريع لزراعة حشيشة الكيف.