يعتبر الرئيس حسان دياب مبدئيّاً (في اعتبار انّ التجربة ما زالت في بداياتها) من طينة الرؤساء التكنوقراط أمثال شارل حلو والياس سركيس وسليم الحص وغيرهم الكثير، الذين لا يشكّلون خطراً على الزعامات والقوى السياسية حتى لو نجحوا في مهماتهم الرئاسية.
 

يفتقد دياب إلى الكاريزما السياسية والشعبية التي قد لا يكون أساساً باحثاً عنها، وأقصى ما يمكن ان يطمح إليه، في حال كان هذا الطموح من ضمن حساباته، الترشّح للانتخابات النيابية في حال نجح في العبور بالبلد إلى شاطئ الأمان، فيكون نائباً لا زعيماً، علما أنه قرر منذ اللحظة الأولى الفصل بين العمل الحكومي والعمل النيابي، فطلب من جميع أعضاء حكومته التعهُّد بعدم الترشّح للانتخابات في حال استمرّت حكومته حتى الانتخابات المقبلة او أشرفت على انتخابات مبكرة.

 

وهذا القرار بالفصل بين ما هو نيابي وما هو حكومي قد يكون وليد اقتناع أو مجرد صدفة أو متأتياً من خطورة الأزمة المالية، ولكن في مطلق الحالات يجب تحويله قاعدة ونهجاً وصولاً إلى قَوننة الفصل بصدوره قانوناً عن مجلس النواب يفصل النيابة عن الوزارة، لأنه كيف يمكن لوزير ان يكون منتجاً ويخصّص ساعات النهار والليل للعمل في وزارته وحكومته إذا كان عليه متابعة شؤون منطقته وتحويل الوزارة مركزاً خدماتياً لنيابته؟

 

فالفوضى في لبنان تشكل بدورها أحد وجوه الأزمة السائدة، فكيف يسمح رئيس حزب لنفسه مثلاً أن يشغل في موازاة مهمته الحزبية موقعاً وزارياً وآخر نيابياً، إذ كيف سيتمكن من التوفيق بين كل هذه المهمات، فيما كل مهمة لوحدها تتطلب التفرُّغ التام والكامل، وبالكاد إذا وصل الليل بالنهار ينجح في إعطاء كل مهمة حقّها.

 

ومن هذا المنطلق يجب ان تشكل هذه الأزمة مدخلاً إلى نهج جديد وتغيير أعراف عدة، ومَأسسة العمل العام في كل قطاعاته ومجالاته واتّباع قواعد فصل حقيقية لا وهمية وشكلية بين المؤسسات الدستورية، فلا يجوز العودة إلى ممارسات ما قبل الأزمة بعد انتهائها في حال انتهت من دون انعكاسات كبرى، في اعتبار انّ الفشل الذي وصلنا إليه لم يكن عن طريق المصادفة، بل بفعل الإهمال و«الاستلشاق» والفوضى وعدم الجدية والخلط بين العام والخاص.

 

ويسجّل لـ«القوات اللبنانية» اعتمادها الفصل الصارم بين ما هو حزبي وما هو نيابي، وبين ما هو نيابي وما هو وزاري، لأنه كيف يمكن بعرفها لنائب مهمته الأساسية المراقبة والتشريع والتواصل المفتوح مع أبناء دائرته وتأمين الحضور السياسي، أن يُمسك في الوقت نفسه بملفات وزارية تتطلب لوحدها التخصّص والتفرُّغ الكامل، وبالتالي فإمّا يفشل في المهمتين معاً وإمّا ستطغى الواحدة على الأخرى؟

 

فالقاعدة الأولى التي يجب اعتمادها من الآن فصاعداً هي الفصل الصارم والتام والنهائي بين النيابة والوزارة، وأن تكون الحكومة الحالية فاتحة لحكومات من هذا النوع والقطع مع كل أشكال الحكومات السابقة، وخلاف ذلك يشكّل انتقاصاً من العمل النيابي والوزاري، والأهم يحرم اللبنانيين من الإصلاح الجدي والعمل الفعّال والمنتج.

 

ومعلوم أنّ ولادة حكومة دياب حصلت تحت الضغط وفي ظل إصراره على توزير شخصيات تكنوقراطية، ولولا إدراك قوى الأكثرية أنّ اعتذاره عن المهمة سيضعها أمام خيار وحيد وهو عودة الرئيس سعد الحريري بشروطه لَما وافقت على التخلّي عن حكومة التكنو-سياسية لمصلحة الحكومة الحالية التي تتميّز بتكنوقراطيتها ولكن غير المستقلة.

 

وغياب الاستقلالية يفقد الحكومة مهمة العمل المتجانِس ويفتح الباب أمام التناقض بين مكوّناتها، والذي ظهر جليّاً إبّان التأليف. ولكن المبادرة تبقى في يد رئيس الحكومة الذي يتوقّف نجاحه على استقلاليته والتزامه معايير الدستور والقانون والشفافية ولَو تناقض مع الأكثرية المؤلِّفة للحكومة، ومن عناصر قوته انّ حدّة الأزمة وخطورتها تمنحه صلاحيات أو دوراً استثنائياً عليه الاستفادة منه لتعزيز النهج المؤسساتي، لأنه بنجاحه يدخل إلى نادي رؤساء الحكومات من الباب العريض، وفي حال فشله لن يضمن البقاء في لبنان في حال استمرّت الأزمة فصولاً وأسقطت الناس حكومته في الشارع.

 

ونجاح دياب في مهمته الإنقاذية لا يعني نجاحه في الانتقال إلى الصفّ الأول في الزعامة السنية، لأنّ للزعامة شروطها وفي طليعتها الكاريزما الشعبية والتموضع الوطني، فالرئيس سليم الحص الذي جاء من عالم الاختصاص وافتقد للزعامة الشعبية العابرة للمناطق على غرار الزعامة الحريرية كان في صلب الانقسام الوطني، فيما لا يبدو انّ دياب حتى اللحظة في وارد الانخراط في الانقسام الحاصل، وهذا ما يسجّل له. ولكن التحدي الأكبر يكمن في قدرته على الاستمرار في هذا النهج وإعلاء نموذج جديد يرتكز على النأي بالنفس عن الخلافات السياسية الوجودية التي لن تنتهي، فيكون قد أسّس لنمط جديد وهو فصل العمل الحكومي ليس عن النيابي فقط، بل فصل العمل الحكومي عن السياسي والخلافات السياسية، فتكون بذلك حكومة التكنوقراط الحالية او حكومات التكنوقراط اللاحقة حكومة تكنوقراط بالفعل مهمتها إدارة شؤون الناس والبلد وليس نقل المتاريس السياسية إلى داخلها.

 

ومن هذا المنطلق لا يمكن لدياب أن يشكّل خطراً على الحريري، فالزعامة السنية ما زالت وحتى إشعار آخر معقودة الولاء للحريرية السياسية بشخص سعد الحريري، ولا منافس لها على هذا المستوى، ولكن الخطورة التي يشكّلها دياب ليست من طبيعة زعاماتية، بل في إرساء نمط جديد من رؤساء الحكومات بالفصل بين دور الزعيم الشعبي ودور رئيس الحكومة الذي يحب ان يكون على شكل حكومته... تكنوقراطياً.

 

فهل هذا النموذج في تكليف رؤساء الحكومات يفتح الباب أمام النموذج نفسه في رئاسة الجمهورية؟