مثلما كانت 1979 سنة مفصلية على الصعيد الإقليمي، ستكون السنة 2020 سنة مفصلية أخرى من نوع آخر.
 

في مثل هذه الأيّام، قبل 41 عاما، بدأت تظهر التحولات العميقة في إيران. فبعد أيّام قليلة على عودة آية الله الخميني من باريس، في شهر شباط – فبراير من العام 1979، تبيّن أنّ الثورة الشعبية التي أطاحت بالشاه ونظامه بدأت تأخذ منحى مختلفا عمّا كان يعتقده ويؤمن به الإيرانيون العاديون. هؤلاء كانوا يطمحون إلى قيام نظام أفضل من نظام الشاه… إذا بهم بعد أربعة عقود يترحّمون على الشاه ونظامه.

ظهر بعيد عودة الخميني إلى طهران أنّ هناك نظاما جديدا بدأ يثبت نفسه تحت تسمية “الجمهورية الإسلامية”. لا يحترم هذا النظام أي سيادة لأي دولة من دول المنطقة على أراضيها. يعتبر نفسه متخطّيا للحدود المعترف بها دوليا. بالنسبة إليه، إن الرابط المذهبي يتجاوز حدود الدول. لذلك، نجد إيران اليوم في العراق وفي سوريا وفي لبنان وفي اليمن، مباشرة أو عبر ميليشياتها المذهبية!

هناك جملة قصيرة صدرت عن الخميني تلخّص الكثير من نمط تفكيره وطموحاته. ففي الطائرة التي أقلّته من باريس إلى طهران، سأله مراسل أميركي بعدما بدأ الركاب يشاهدون الأرض الإيرانية من نوافذ الـ“بوينغ 747” التابعة لشركة “اير فرانس”: ما هو شعورك وأنت الآن فوق أرض وطنك؟ جاء جواب الخميني: “لا شيء”. تقول هاتان الكلمتان كلّ شيء. ليست إيران التي تهمّ الخميني. ما يهمّه هو تصدير الثورة. لا يزال تصدير الثورة، يشكّل إلى اليوم، لبّ تفكير النظام الإيراني. لا يزال اللبّ على الرغم من أن تصدير الثورة لم يجرّ سوى الخراب. جرّ الخراب على إيران نفسها وعلى كل دولة أو أرض وجدت فيها إيران، بما في ذلك قطاع غزّة.

كانت رحلة السنوات الـ41 طويلة. استطاعت إيران تغيير المنطقة نحو الأسوأ في اتجاه تفكيك عدد من الدول العربية من الداخل، فضلا عن القضاء على أي أمل بإيجاد تسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

هذا “نجاح كبير”، وإن من الناحية السلبية، للثورة الإيرانية التي رسم مسارها الخميني، بعد سقوط الشاه. قبل ذلك، كانت هناك أصوات مختلفة، بعضها ليبرالي عبّر عنها تشكيل حكومة مهدي بازركان التي لم تعمر طويلا. أرادت الأصوات الليبرالية أخذ إيران في اتجاه الدولة العصرية ذات الدستور المستوحى من دساتير الدول الديمقراطية في أوروبا. لم يحدث شيء من هذا القبيل. شيئا فشيئا، راحت إيران تتجه نحو التحول إلى بلد متزمت يتحكّم به “المرشد الأعلى” الذي هو الآن علي خامنئي وذلك في ظل نظام ولاية الفقيه. في الواقع، من يتحكّم بإيران هو “الحرس الثوري” الذي يسيطر على قسم كبير من الاقتصاد ومفاصل الدولة.

في مسيرة الـ41 عاما، هناك جوانب يرى فيها النظام نجاحا. لكنّ هذا النجاح الذي ليس سوى غطاء لكارثة حلّت بالمنطقة كلّها، لا ترجمة له في المدى الطويل على أرض الواقع. هناك تجميع لأوراق لا يمكن صرفها عبر تحويلها إلى مكاسب سياسية تجعل من إيران قوّة إقليمية مهيمنة.

عاجلا أم آجلا، هناك أسئلة ستفرض نفسها. ماذا تفعل إيران في العراق أو في سوريا أو في لبنان أو في اليمن… أو في غزّة؟ الجواب بكلّ بساطة أنّ حكومة عراقية برئاسة محمّد توفيق علاوي ليست أكثر من وهم تتعلّق به إيران لإثبات أنّها ما زالت صاحبة القرار في العراق. أمّا مقتدى الصدر، الذي تحوّل أداتها المفضّلة هذه الأيّام، فما الذي يستطيع تقديمه إلى العراقيين غير تحوّله إلى وسيلة قمع للتحرّك الشعبي الواسع بواسطة “القبعات الزرق” التي ليست سوى ميليشيا أخرى تضاف إلى الميليشيات الإيرانية المنتشرة في كلّ أنحاء المنطقة؟

يمكن الذهاب إلى الحديث عن الميليشيات الإيرانية في إطار الحرب على الشعب السوري المستمرّة منذ تسع سنوات والتي أدّت إلى تفكيك سوريا. كذلك يمكن الحديث عن دور “حزب الله” في إيصال لبنان إلى حال الانهيار التي وصل إليها من أجل أن تقول طهران إنّه صارت هناك مدينة على البحر المتوسط تحت سيطرتها. هذه المدينة هي بيروت التي تمر هذه الأيّام بظروف في غاية الصعوبة، خصوصا في ظلّ رغبة الحاقدين في تدمير وسطها إرضاء لرغبة “حزب الله” ومن خلفه إيران في نشر البؤس في كلّ مدينة عربية ذات عراقة، خصوصا المدن ذات الطابع السنّي أو السنّي – المسيحي.

ستترك إيران خرابا كبيرا في المنطقة كلّها. في البصرة وبغداد والموصل وحلب وحمص وحماة ودمشق وبيروت وصنعاء. كشفت السنوات الماضية، الممتدة منذ العام 1979، أنّها لا تتقن سوى التخريب. ولكن مثلما كانت 1979 سنة مفصلية على الصعيد الإقليمي، ستكون السنة 2020 سنة مفصلية أخرى من نوع آخر. في بداية هذه السنة استطاعت الولايات المتحدة تصفية قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” الإيراني بعيد مغادرته مطار بغداد الذي وصل إليه قادما من دمشق.

كشف اغتيال سليماني، ومعه أبومهدي المهندس، نائب قائد “الحشد الشعبي” إيران على حقيقتها. تستطيع “الجمهورية الإسلامية” تنفيذ سياسة ذات طابع تخريبي على كلّ صعيد وفي كلّ مكان تصل إليه ميليشياتها، لكنّه عندما يوجد من يقول لها إنّ كفى تعني كفى، فهي لا تعود تمتلك سوى الصراخ والتهديدات الفارغة من أيّ مضمون. يتبيّن، كلّما مرّ الوقت، كم تعني عملية تصفية قاسم سليماني. إنّها تعني قبل أي شيء آخر أنّ العد العكسي بدأ.

لم يعد أمام “الجمهورية الإسلامية” سوى مواجهة الحقيقة العارية. تقول هذه الحقيقة بالفم الملآن إن إيران ليست سوى دولة من دول العالم الثالث لا يفرّق فيها “الحرس الثوري” بين طائرة مقاتلة وطائرة ركّاب أوكرانية أقلعت من مطار مهاباد في طهران. تختزل جريمة إسقاط طائرة الركاب الأوكرانية المآسي التي ولدت من رحم “الجمهورية الإسلامية”، في إيران نفسها وفي طول المنطقة وعرضها. من بغداد، إلى دمشق، إلى بيروت، إلى صنعاء… إلى قطاع غزّة حيث لم يعد يوجد عاقل يسأل كيف يمكن تحرير فلسطين انطلاقا من قطعة أرض صغيرة لا يجمع بين المقيمين فيها سوى الفقر والبؤس والجهل.

من الآن، إلى أن يعي النظام الإيراني أن العد العكسي بدأ وأن تصفية قاسم سليماني ترافقت مع تشديد للعقوبات الأميركية، سيحل مزيد من الخراب حيثما وجدت ميليشيا مذهبية تابعة لـ”الحرس الثوري”. هل سيكون في المستطاع إصلاح ما خربّته إيران في 41 عاما… أمّ أنّ ما كتب للمدن العربية الأساسية العريقة في منطقة الهلال الخصيب وفي اليمن هو بمثابة قدر لهذه المدن!