وأمام هذا الواقع الخطير في النهج الذي تعتمده الحكومة، سؤالٌ أخطر يطرح نفسه، ويدور حول قدرتها على معالجة الأزمة العميقة التي تهدّد مصير الدولة، خصوصاً أن البلد امام عواصف داخلية وخارجية .
 

من تابع قرأة ما بين السطور في البيان الوزاري للحكومة العتيدة يشعر انه في دولة متقدمة ينعم مواطنوها في الرخاء والاستقرار والعدالة الاجتماعية فيها ضاربة جذورها عميقاً في هذا البلد .وكأن المتابع يعيش حالة حلم وفجأة يتأكد ان الأزمة مأساوية وخطيرة للغاية كما يتفق عديدون على ان لبنان يمر بمرحلة دقيقة جداً، وان معالم التدهور السلبي تزداد يوماً بعد يوم، من غير ان يظهر في المعطيات القائمة ما يشير من قريب او من بعيد الى احتمال وقف هذا التدهور على المستويات السياسية والاقتصادية والمالية، وما خلفته من انحدارات على المستويات المعيشية والاجتماعية، حيث الصورة السوداوية باتت تتصدر المشهد، بالتقاطع مع تسريبات خارجية، اميركية على وجه الخصوص، تشي بأن لبنان مقبل على مرحلة أكثر خطورة، وان ما يحكى عن مساعدات للبنان، كلام في غير محله وسابق لاوانه. 

 

 ولا شيء يوحي أن التغيير الجذري والبنيوي للسياسات النقدية والمالية والإقتصادية هو على جدول الأعمال. فهو تغيير يمس مصالح النافذين، ويستحيل الوصول إليه من دون التسليم بسقوط النموذج السياسي وضرورة التغيير السياسي الشامل. وليس أمرًا قليل الدلالات على حالنا أن يطالبنا بالتغيير الجذري الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش القائل إن لبنان يواجه أزمة سياسية معقدة وأزمة إقتصادية ومالية صعبة جدًا، ويحتاج إلى إصلاح عميق لآليات العمل السياسي، ووجود دولة ليس لها رؤية طائفية في تكوينها.

 

 

ذلك أن جهابذة السلطة لا مصلحة لهم بالعمل على الخروج من الازمة. فهم الرابحون فيها على حساب الشعب الخاسر والذين كدسوا الثروات بإفقار لبنان. وهم الذين يمسكون باللعبة، بحيث يقوم البحث عن حل على تغطية أسباب الأزمة وحماية مصالح النافذين في السلطة وخارجها. وإذا كان البيان الوزاري هو البرنامج الإنقاذي للحكومة، فإن المشكلة مزدوجة: البرنامج ناقص وملتبس في النقاط الحساسة والملحة مثل الكهرباء، بمقدار ما هو فضفاض وعام. وأداة التنفيذ ليست حرة في العمل خارج مصالح الذين جاؤوا بها، وإن كانت تحت مجهر المراقبة المحلية والعربية والدولية. واللافت  أن الاتحاد الأوروبي لن يعطي هذه الحكومة شيكاً على بياض لمساعدتها على وقف التدهور الاقتصادي ما لم تبادر إلى ترجمة الإصلاحات المطلوبة منها إلى أفعال، وقالت إن موقفها ثابت.

 

المجتمع الدولي ومعه المجموعة العربية لن تأخذ، كما يقول قطب سياسي معارض، بمضامين البيان الوزاري لتبادر إلى تقديم المساعدات على وجه السرعة. وعزا السبب إلى أن هذه الدول لن تتزحزح عن موقفها لجهة أن يبادر لبنان إلى مساعدة نفسه قبل أن يطلب المساعدة من الآخرين، إضافة إلى تجاوب الحكومة مع تطلعات الشعب اللبناني التي تعبّر عنها الانتفاضة الشعبية. ورأى أن البيان الوزاري يفتقر إلى خطة عمل وبرنامج إنقاذي، وقال إن الحكومة أسقطت عليه مطالب الحراك الشعبي. ولاحظ أن تعويم خطة الكهرباء هو تبنّ لخطة الوزير السابق جبران باسيل، ولا يمكن تسويقها لتعارضها مع مؤتمر سيدر.

 

إقرأ أيضًا: الحكومة تبحث عن صدمة والتوطين يطل مع صفقة القرن

 

هذا وتستمر الخلافات أيضاً على ملف تسديد ديون لبنان المستحقة.  فبينما عمل حزب الله على إقناع الرئيس نبيه بري لعدم دفعها، من دون إغفال حقيقة أياً كان القرار الذي سيتخذ من قبل الحكومة، سواء لجهة الدفع أو عدمه، فإن لبنان سيكون أمام مخاطر كبيرة. إذا ما تم الدفع سيؤدي ذلك إلى فقدان المزيد احتياط الدولار. وبحال التخلف عن الدفع، سيكون تصنيف لبنان قاسياً، وسيترسخ انعدام الثقة وانطباع الإفلاس. وإلى جانب الإجراءات الإصلاحية القاسية التي يفرضها المجتمع الدولي على الحكومة اللبنانية لاتخاذها، هناك شروط من نوع آخر ذات طابع سياسي، لا تنفصل عن شروط صندوق النقد والبنك الدوليين، والتي لا يوافق حزب الله على الرضوخ لها. ما يعني أن الضغوط ستزداد أكثر والوضع المالي سيكون أمام مزيد من الانهيار بلا أي قدرة سياسية أو حكومية على مواكبة الأزمة.

 

وهنا تشير المصادر إلى أن العقوبات الأميركية ستستمر وستصدر لائحة جديدة في المرحلة المقبلة. والضغوط لن تخف، بل ستتزايد. وفيما كان هناك معطيات تفيد باستعداد ديفيد شينكر لزيارة لبنان بعد نيل الحكومة الثقة، عادت المعطيات وأفادت بأن الرجل تراجع عن الزيارة كي لا تفهم بأنها منح غطاء للحكومة. وبانتظار ما يمكن أن تقدّمه هذه الحكومة، يمكن أن يفتح عندها الباب أمام تواصل متجدد. 

 

 

وتحت عنوان لماذا يجب على لبنان تسديد ديونه ؟ نشر تقريرا حول وجوب ان يلتزم لبنان بتسديد الديون المتوجبة عليه في وقتها، وإلا فإنه سيجد نفسه أمام أزمة اخطر من أزمة الدولار التي يعاني منها. فبعد 115 يوما من التظاهرات والمسيرات والاعتصامات والاعتداءات والمواجهات مع القوى الأمنية، وتقديم الشهداء والجرحى والموقوفين، تقدمت حكومة حسان دياب ببيان وزاري يصح القول فيه أنه فسر الماء بعد الجهد بالماء بعدما جاء مناقضا لكل تطلعات وأهداف إنتفاضة 17 تشرين ، فالرئيس دياب يبدو ملتزما توجهات التيارات السياسية التي قامت بتسميته، وهو لم يف بكل الوعود التي أطلقها. 

 

وأمام هذا الواقع الخطير في النهج الذي تعتمده الحكومة، سؤالٌ أخطر يطرح نفسه، ويدور حول قدرتها على معالجة الأزمة العميقة التي تهدّد مصير الدولة، خصوصاً أن البلد امام عواصف داخلية وخارجية .