بالتأكيد، كان الإسرائيليون يتوقّعون ألا يَمنح الرئيس الفلسطيني محمود عباس موافقته على صفقة القرن لأسباب مختلفة. وهم يعرفون أيضاً أنه إذا لم يوقِّع هذا الاتفاق بصفته الطرف الثاني المعني، فإنه سيبقى غير قابل للتنفيذ من ناحية قانونية.
 

على الأرجح، عندما تَوافَق الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو على إعلان «الصفقة»، في هذا التوقيت، كانا يعرفان مسبقاً أن لا مجال لتطبيق المضامين الضخمة الواردة في صفحاتها الـ181 في هذه المرحلة، والتي تحتاج إلى مزيد من عمليات الإنضاج.

 

إذاً، لماذا تم الإعلان عنها؟ هل هي الضرورات السياسية الداخلية في كلا البلدين، كما تردَّد؟ أيّ حاجة ترامب إلى صدمة إيجابية في الرأي العام الأميركي تدعم وضعه على أبواب معركته الرئاسية الثانية، وحاجة نتنياهو إلى صدمة مماثلة على أبواب الانتخابات التشريعية الثالثة مطلع آذار المقبل؟

 

كثير من الخبراء يقولون: إذا تعاطى الفلسطينيون والعرب مع الصفقة من هذه الزاوية الضيّقة فإنهم سيقعون في خطأ التقدير، تماماً كالذين يعتقدون أنّ الصفقة وُجِدَت لتطبَّق بحذافيرها الآن، وأنّ إسرائيل ستمارس كل ضغوطها لهذه الغاية، في اعتبارها التصوّر النهائي للتسوية مع الفلسطينيين.

 

وفي الواقع، وفق هؤلاء الخبراء، يُرجَّح أن تكون «صفقة القرن» محطة أخرى في سلسلة محطات التسوية، أو محاولات التسوية، المستمرة منذ إنشاء إسرائيل، والتي أدّت في النهاية إلى تآكل الجغرافيا والشخصية الفلسطينية في شكل بطيء، ولكن تدريجي، وتَصْعُب فيه العودة إلى الوراء.

 

في العام 1948، صدر القرار الدولي 194، القاضي بتقسيم فلسطين دولتين: 55% منها لإسرائيل و45% تبقى لفلسطين. لكن القرار لم يُنَفَّذ. وفي العام 1967، أبقى القرار 242% لفلسطين مساحة أصغر، ولكن غير محددة بسبب الخلاف على الترجمة بين الانسحاب من «الأراضي المحتلة» والانسحاب من «أراضٍ محتلة».

 

أما في أوسلو 1994، فلم يتجاوز الحجم المعطى للفلسطينيين 15%، علماً أنّ الحروب العربية - الإسرائيلية سمحت لإسرائيل بتوسيع أراضيها خارج فلسطين التاريخية، وخصوصاً في سيناء التي عادت وأخلَتها بموجب اتفاقية كمب ديفيد، والجولان السوري الذي ضَمّته.

 

لكنّ التحوّل الذي طرأ على مدى 73 عاماً لا يقتصر على مساحات الأراضي بل يتعدّاها إلى مفهوم الشخصية الوطنية الفلسطينية. فبين 1947 و2010 تراجعت الهوامش المعطاة للفلسطينيين في ما يتعلق بدولتهم المرتجاة ومدى تمتعها بالقوة ومستوى الاستقلال.

 

في البداية كان الحديث عن كيان متماسك له مواصفات الدولة، فبات عن سلطة حكم ذاتي، ثم عن مجرد سلطات إدارية محلية متقطعة ولا تتمتع بميزات السيادة. وحصل الإسرائيليون على تغطية دولية أوسع لاعتماد القدس موحّدة عاصمة لهم وزيادة المستوطنات بكثافة في الضفة الغربية.

 

وهناك ورشة تشريعية ساخنة يجري تنفيذها في إسرائيل منذ سنوات لتهويد الدولة، وهذا يعني عزل العامل الديموغرافي بحيث لا يؤدي إلى ضرب الخطة الإسرائيلية.

 

فالفلسطينيون في العالم تضاعفت أعدادهم من 1.4 مليون نسمة في العام 1948 إلى نحو 13 مليوناً، بينهم نحو 3 ملايين في الضفة الغربية والقدس. ومن خلال زيادة المستوطنات، يريد الإسرائيليون الحدّ من تأثير الخلل الديموغرافي، بل القنبلة الديموغرافية هناك، علماً أنّ المستوطنات نفسها تتّصِف بخصوبة ديموغرافية أيضاً.

 

وثمّة من يعتقد أنّ المشروع النهائي الذي يعمل له الإسرائيليون هو «الترانسفير» الفلسطيني من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية، أي إلى الأردن الذي تلقّى في نصّ «صفقة القرن» تهنئة حارة وتشجيعاً على تطبيعه إقامة الفلسطينيين، مقابل انتقاد واضح تَعرّضَ له لبنان ومطالبة بتغيير النهج في هذا الملف.

 

فما يبدو هو أنّ إسرائيل هي التي ماطَلت في المرحلة السابقة في إعلان الصفقة لأنها أرادت إنضاج الظروف: على الأرض، مستوطنات إضافية في الضفة، وفي السياسة تحصيل موافقات عربية شبه شاملة، من الأردن ومصر إلى الخليج والغرب العربيين، مع استعدادات واضحة للتطبيع والتمويل.

 

وثمة من يعتقد أنّ المُستتبعات، على هامش الصفقة، ربما تكون أكثر أهمية لإسرائيل من الصفقة نفسها. فالحصول على صَك أميركي وعربي ودولي يعترف بهذه الحدود من الشخصية الفلسطينية، أرضاً وشعباً، بتغطيةٍ وتمويل عربيين، يُعتبر في ذاته مكسباً كبيراً لها، على أساس أنّ المفاوضة حول أي خطوة مقبلة تنطلق من هذه النقطة، حيث لا عودة إلى الوراء.

 

من هنا يمكن إدراك ما قاله ترامب عن أنّ هذه الفرصة هي الأخيرة للفلسطينيين. ففي الواقع، بعد مسار التنازل والقضم المستمر على مدى 7 عقود، لم يَعُد ممكناً توقّع الحدود التي سيُطلب من الفلسطينيين أن يتراجعوا إليها في أي مشروع تسوية مقبل. فلا شيء سيبقى لهم من فلسطين، تقريباً.

 

وعلى الأرجح، إنّ سياسة القضم لا تزعج إسرائيل لأنّ الأثمان تُدفع من جيوب الفلسطينيين فقط، ولأنّ عامل الوقت لا يؤذيها في شيء، ولو طال سنوات وعقوداً أخرى.

 

من هنا، يسود الاعتقاد أنّ ما تمنحه الصفقة للفلسطينيين في الضفة الغربية، على رغم أنه «فُتات»، يرفضه الإسرائيليون في العمق وسيعملون للتخلّص منه كما تخلّصوا من كل التسويات السابقة، سواء أتى الرفض من جانبهم أو من الجانب الفلسطيني. وهنا مأزق الفلسطينيين: ماذا عليهم أن يفعلوا، وقد باتت كل المسارات خاسرة؟