منذ «سنتات الشؤم» التي زادها محمد شقير على «الواتساب» وشكّلت شرارة انتفاضة 17 تشرين الاول، وحتى اليوم، قدّمت السلطة والحراك الشعبي أقصى ما لديهما في مواجهة بعضهما لبعض. لا السلطة تغيّرت، او غيّرت، ولا الحراك استطاع ان يغيّر ويفرض الواقع الذي يريده. تلك حقيقة كلاهما لا يستطيعان نفيها او حجبها او الهروب منها. والسبب بسيط جداً وهو انّ نقاط الضعف لديهما اكبر بكثير من نقاط القوة.
 

قوة الحراك، تبدّت مع نزول جموع الناس الى الشارع، لكنها كانت موقتة، سرعان ما تلاشت وتحوّلت ضعفاً جعلت الحراك يدور حول نفسه منذ 17 تشرين، ويقوم بين فترة وأُخرى بحراك أقرب الى التذكير فقط بأنّه ما زال موجوداً، واما الاسباب فمتعددة ومنها:

 

- دخول عامل الاستثمار السياسي على خط الحراك، من جهات حزبية، كانت شريكة على الدوام في السلطة الموصوفة بالجائرة والمرتكبة، وارادت تسيير الحراك لخدمة مصالحها وتوجّهاتها.

- دخول العامل الطائفي والمذهبي، الذي شوّه الحراك وحرفه في اتجاه معاكس، للوجهة التي انطلق فيها في 17 تشرين.

- دخول «أمراء الشوارع»، وتحويل الحراك السلمي حراك فوضى وتخريب.

- تعدّد مكونات الحراك وتضاربها بعضها مع بعض، وعدم امتلاكها متفرقة او مجتمعة برنامجاً لسلطة بديلة.

- طرح عناوين وشعارات غير قابلة للتطبيق: تغيير النظام، «كلن يعني كلن»، سلطة مستقلة، انتخابات نيابية مبكرة. ونقطة الضعف الكبرى، انّ المطالبين بهذه الانتخابات بعضهم يرفض تغيير القانون الحالي، وبعضهم الآخر يريد قانوناً انتخابياً مفصّلاً على مقاسه. ثم أي قانون جديد يُطالب به طالما انّ السلطة التي يُراد اسقاطها هي صاحبة الصلاحية بإعداد هذا القانون؟!

 

 

 

ماذا عن السلطة؟

 

السلطة ليست أفضل حالاً، فكل ما تقدّم من نقاط ضعف للحراك، قد يُعدّ قوة غير مباشرة لها، ولكن:

 

- نقطة القوة الاساسية للسلطة، أنّها إبنة نظام محاصصة بين الطوائف، بتركيبة سياسية متأصلة، أقوى من ان يقدر احد في الداخل على تغييره.

 

- حكومة حسان دياب، شكّلت رغماً عن مكونات الحراك، وعن القوى السياسية التي لبست ثوبه، وعن جهات مذهبية لم تمنحها البركة والتغطية، الّا انّها قوتها تكمن في انّها وليدة النظام السياسي المتأصّل، أولاً، وانّها حكومة امر واقع ولا بديل عنها في المرحلة الحالية ثانياً.

 

- نقطة قوة ثانية، انّ دياب، قدّم نفسه منذ تولّيه رئاسة الحكومة، شخصية «جامدة» امام الحملة عليه. ووصفه احد المسؤولين الكبار، بالقول: « فظيع شو جامد، هادئ مثل «الحجر»، اذا رميت حدو قنبلة ما بيتحرّك، هيك كان في جلسة مجلس النواب، وهيك كان عندما أصرّ على حكومة تكنوقراط، وكان له ما اراد».

- نقطة ثالثة، انّ رئيسها متحمس لأن ينجز سريعاً، وحدّد 100 يوم لظهور إنجازات، مع أنّه تلقّى نصيحة حريصين على الحكومة مفادها: «طوّل بالك، ما تستعجل وتزرك حالك بمواعيد، اعطِ نفسك فرصة 4 أو 5 أشهر على الاقل».

 

وامّا نقاط الضعف، فتكمن في داخلها وخارجها في آن معاً:

- الاولى، انّ الحكومة ليست محل إجماع داخلي حولها، ومصنّفة حكومة لون واحد، وتتهمها قوى داخلية وخارجية بأنّها حكومة «حزب الله».

 

- الثانية، انّ وزراءها أغرار في العمل الحكومي، تجربة جديدة، تهيّب واضح للمنصب الوزاري، وللمهمة الموكلة اليهم، بعضهم يمرّ في مرحلة انتقالية، بحيث لم يفصلوا بعد بين ما كانوا عليه قبل توزيرهم، وبين ما اصبحوا عليه بعده، لم يعتادوا بعد على لقب «وزير»، حتى أنّ بعضهم بدأ يعبّر عن شكوى: «هلكنا، اجتماعات خلف اجتماعات، مش عم نرتاح، وما عم فينا نتنفس». والاختبار الصعب لهم كان في صوغ البيان الوزاري، حيث انتهت هذه الصياغة بشق النفس، على حدّ قول احد المشاركين فيها.

 

- الثالثة، شعور أهل الحكومة بأنّ الدعم الخارجي الذي تلقته الحكومة، خصوصاً من الاوروبيين وبعض العرب، مهم جداً، الّا انّه يبقى ناقصاً إن لم يقترن بموقف دعم واضح من الولايات المتحدة الاميركية والمملكة العربية السعودية، وهو أمر لم يحصل بعد. فهذا الدعم إشارة الى فتح باب لتقديم مساعدات الى لبنان، ولدى بعض المعنيّين بالحكومة شكوك في أن يحصل ذلك، خصوصاً انّ معلومات وردت الى مستويات رسمية تفيد أنّ دولة خليجية صغيرة انما غنية، أرسلت اشارات الى عزمها على تقديم مساعدات للبنان، وبعضها على شكل ودائع، الاّ انّ ما حصل هو انّ هناك جهة ما «دعست» على رجل هذه الدولة فتراجعت!

 

- الرابعة، ولعلّها نقطة الضعف الاساس، فـ»اللون الواحد» الذي شكّل الحكومة، قال انّه يحتضنها ويراهن على نجاحها. واولوية هذا اللون، ان يبني حولها بالتفاهم والتكافل والتضامن في ما بين مكوناتها، جدار حماية يقيها العواصف السياسية التي قد تهبّ عليها. لكن المفاجأة تبدّت في «الرمي» على الحكومة واهلها، من بعض زوايا «اللون الواحد».

 

على ما يقول مطلعون على هذا «الرمي»، انّه قبل تكليف دياب، سوّق له مسؤول كبير، وتولّى شخصياً الاتصال هاتفياً برؤساء كتل نيابية كبرى وصغرى لتسميته في الاستشارات الملزمة، قائلاً ما مفاده: «هذا الشخص بيفهم، وقعدت معو مرتين ثلاثة وعجبني، ويتمتع بالمواصفات المطلوبة لرئاسة الحكومة».

 

المسؤول نفسه مرّ بحالة فتور مع دياب بعد تكليفه، وصولاً الى ما بعد تشكيل الحكومة، حيث بدأ المسؤول نفسه يسأل بعض من يلتقيهم: شو رأيكم بحسان دياب؟ وفي بعض الحالات كان يعقّب على ما يسمعه ويقول: «مشكلة حسان دياب انو بيسأل كتير، هذا لا يعني انو مش منيح».

 

امّا بعد التشكيل، يضيف المطلعون، لا بل فور التشكيل، حينما كانت الحكومة مستهدفة بشكل عنيف من قِبل قوى الحراك والمعارضة، والتحرّكات ضدّها صاخبة على الارض، فحصل ما لم يكن في حسبان احد، اذ تزامن تصعيد الحراك والمعارضة ضد الحكومة، مع «طلقات» صدرت من «الاعالي السياسية»، في اتجاه احد الاضلع الاساسية في جدار «اللون الواحد» الحامي للحكومة، وتحميله مسؤولية تفاقم الأزمة المالية، واكثر من ذلك تحميله مسؤولية استهداف العهد وتعطيل توجهاته!

 

في المكان المُستهدف، لم يُعرف الدافع او السرّ الكامن خلف هذا التصويب في هذا التوقيت بالذات، والقصد منه، وثمة علامة استغراب جدّي لهذه الطلقات الصادرة من «الاعالي السياسية»: «ما هذا؟ لا ندري!، ولماذا؟ لا نعرف!.. لقد سعينا جهدنا لكي تتسهّل امامهم عملية تشكيل الحكومة، لأنّ عدم تشكيلها امر مسيء للبلد، وللعهد خصوصاً، فأي عهد سيكون بلا حكومة؟ وتفرّغنا لهذه المهمة حتى آخر لحظة، الى ان تمّ تشكيلها. وفي سياقها اسدينا النصائح المباشرة لأقرب المقرّبين من العهد، بعدم الانتقال الى المعارضة كما لوّحوا، وقلنا لهم، المعارضة ضد من؟ ضد العهد؟ انتم العهد؟ فهل بهذه الخطوة تخدمون العهد أم تسيؤون اليه، وماذا يبقى منه وله ان ذهبتم الى المعارضة؟

 

لقد استجابوا لنا، فهل بما قمنا به كنا نحمي العهد أم اننا نعطله كما يتهموننا، وهل مثل هذا الاتهام يسهّل عمل الحكومة، أم أنّه يصعّبه ويزرع الالغام في طريقها، وهل ثمة من هو مصرّ فقط على افتعال الاشتباكات؟. الجواب ليس عندنا»؟!

 

ويخلص صاحب الكلام الى القول: «لسنا معنيين بأي اتهام بتعطيل العهد، واداؤنا مع العهد منذ انتخابه شاهد علينا، ولكن اذا كان تعطيل بواخر الكهرباء يُعتبر وكأنّه تعطيل للعهد، فنحن نعترف بذلك، ومن الآن نقول انّنا سنستمر في هذا المنحى، وإن خُيِّرنا مجدداً بين البواخر والعتمة، فسنختار العتمة حتماً».