في اللحظات الأولى، ساد انطباع أنّ أركان صفقة 2016 قد تفرَّقوا، وأنّ الانقسام عاد كما كان: 8 و14. وفي عبارة أخرى، كان الظنّ أنّ السلطة عادت إلى 8، وأنّها ستنتقم من 14 التي تراهن على ضغط الشارع والمجتمع الدولي. ولكن... سرعان ما ظهر أنّ هذه الصورة متسرِّعة، وأنّ الشركاء في صفقة 2016 حريصون عليها. إنّها «صَفقة القرن» بالنسبة إليهم. إنّه «قَرنُهم الوطني» وهذه «صَفقةُ قَرنِهم» فكيف يفرِّطون بهِ وبها؟
 

على الأرجح، برودة الرئيس حسّان دياب تجاه المسائل الساخنة لا تعبِّر فقط عن مزاجه الشخصي، بل أيضاً عن اقتناع بأنّ هناك سقوفاً لا يستطيع هو تجاوزها ولن يفعل، وسقوفاً لا يستطيع الآخرون تجاوزها ولن يفعلوا. فَلِمَ «الحَرْبَصة»؟

 

في البداية، بدا أمراً مثيراً للجدل إصدار رئيس الجمهورية ميشال عون مرسوم تكليف دياب تأليف الحكومة، على رغم الاعتراض السنّي. لكن المثير أيضاً هو أنّ دار الفتوى نفسها لم تعترض على دياب كما اعترضت على الذين سبقوه، ولم تعلن أنّ الرئيس سعد الحريري هو مرشحها الوحيد لرئاسة الحكومة. وهذا ما دفع البعض إلى السؤال: إذاً، هل يمكن أن تكون هناك «قبّة باط» من الحريري نفسه في هذا التكليف؟

 

بعد ذلك، اندلعت احتجاجات حادّة في الشارع السنّي ضد تكليف دياب. لكن العارفين جزموا يومذاك أن لا علاقة للحريري بها، وأنّه على العكس أوعز إلى قواعد «المستقبل» بالتزام الهدوء وتجنُّب أي صدام مع القوى الأمنية، وأنّه لا يريد أن يتحمَّل المسؤولية عن تهديد الأمن وخلق مناخ متوتر بين البيئة السنّية والقوى الأمنية والعسكرية.

 

عملياً، ظهر الحريري محيِّداً نفسه عن المشهد على مدى الأسابيع الخمسة، منذ تكليف دياب. بل هو أمضى أكثر من نصف هذه الفترة في باريس، رافعاً شعار: «دبِّروا راسكن». ورفض ممارسة صلاحياته الطبيعية بتصريف الأعمال في الحدّ الأدنى. هذا السلوك دفع كثيرين إلى الاعتقاد أنّ الرجل يراهن على فشل التأليف ليعود على حصان أبيض فارضاً شروطه. لكن ما جرى في جلسة إقرار الموازنة سلّط الضوء على معطيات جديدة.

 

لقد تصرَّف الحريري في الجلسة بنحو مثير للجدل. فغاب شخصياً عنها، فيما حضرت كتلته بمعظمها وأهدت «الثنائي الشيعي» وعون ودياب نصاباً ثميناً. ومثله فعل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط. وبعد النصاب، باتت مسألة التصويت على الموازنة إيجاباً أو سلباً مجرد تفصيل. وأما الفصل التالي، فبالتأكيد سيكون في جلسة الثقة.

 

بالنسبة إلى البعض، هذه الإشارات كافية لتظهير بعض الألغاز السياسية التي كانت عالقة في المشهد. فمن الواضح أنّ هناك خيطاً رفيعاً لم ينقطع بين الحريري وشركائه الأقوياء في صفقة 2016، وهو لم ينقطع. وكذلك هو الأمر مع جنبلاط. وحدها «القوات اللبنانية» خرجت من تلك التركيبة جدّياً ولم تُبْقِ خيطاً موصولاً، وسبقها حزب الكتائب.

 

هذا السلوك الحريريّ ردّ عليه الشركاء الشيعة وعون بنحوٍ واضح من خلال الإعلان أن لا تغييرات ستطرأ على المواقع الأساسية التي تُعتبر حصوناً لتيار «المستقبل» أو للمتعاطفين معه، أو الذين تماهوا على مدى ربع قرنٍ مع الحريرية السياسية. لا في قيادات القوى الأمنية ولا الإدارات العامة البارزة ولا الأجهزة، وهي كثيرة ومعروفة.

 

حتى إنّ دياب يستعين بكل العدّة السابقة للمعالجة المالية والاقتصادية، من دون تغيير. ويَظهر ذلك في الورشة المفتوحة حالياً. وحتى الموازنة جرت استعارتها من حكومة الحريري وتبنّيها بلا تعديل، و»على علّاتها».

 

إطمأن الحريري إلى أنّ «ذراعه» في المؤسسات ما زالت فاعلة، ومعها المصالح التي تحميها، داخل الدولة وخارجها، وأنّها لن تتعرّض للاستهداف والتنكيل تحت أي ظرف. وقيل إنّ الشركاء الذين دعموا حكومة دياب وضعوا الحريري بين خيارين:

 

إما أن يحافظ على درجة من التنسيق معهم فيقابلونه بالتعاون، وإما أن يفتح عليهم الحرب. وحينذاك ستُعلَن الحرب على الحريريين في الدولة وستُفتَح الملفات يميناً ويساراً.

 

طبعاً، فضّل الحريري الخيار الآمن، ومِثلَه جنبلاط. وعلى الأرجح ستتمّ ترجمة هذا الخيار في الاستحقاقات الآتية… إلى أن تنتهي موجة الضغوط الدولية والعربية التي فرضت على الحريري أن يخرج من حكومة السياسيين التي اعتاد عليها، إلى حكومة التكنوقراط المستقلين، أي حكومة الإصلاح والنأي بالنفس. وعندئذٍ، تعود المياه إلى مجاريها.

 

من هنا، ينبغي التفكير في دوافع الحملة العنيفة التي بدأت تشنّها «القوات»، في هذه اللحظة، على الهدر في وزارتي الطاقة والاتصالات معاً، ودعوتها القضاء إلى القيام بدوره.

 

في اعتقاد البعض أنّ التنسيق سيستمرّ بين الحريري وشركائه (السابقين) في صفقة 2016، تحت الطاولة، طوال عهد الحكومة الحالية.

 

لكن المياه لا تمرّ من تحت أقدام دياب. فهو يعرف ذلك ويعترف به، ويدرك حدوده وحجمه والدور الذي يستطيع الاضطلاع به، والمدّة التي يستغرقها. يكفيه تسجيل دخوله نادي رؤساء الحكومات وخروجه. ففي السياسة، لا شيء لديه ليخسره.