الرئيس بري كان بارعاً طوال حياته السياسية بالضرب بسيف غيره، كان يضرب بسيف سلطة الوصاية السورية على لبنان طوال ربع قرن من الزمن، وبعد خروج السوريين من لبنان عام ٢٠٠٥، راح يضرب بسيف المقاومة، يشهره عند اللزوم، ويُغمدهُ حين تنتفي الحاجة له.
 

في تحقيقٍ لافت لجريدة الأخبار، يتحدث بوضوحٍ وصراحة عن بلطجية حركة أمل، الذين خرجوا بوجه ائتلاف بناء الدولة، الذين حاولوا التظاهر السلمي والإعتصام أمام مجلس الجنوب، صارخين بملء الصوت: "نحن حركة أمل يا كلاب، أنتم عارفين لوين جايين، هذا صندوق المقاومة، صندوق الشهداء"، وانهالوا بعدها بضرب الشباب والشابات، بالعصيّ والسكاكين والشفرات، وتمضي جريدة الأخبار في تحقيقها بوصف أحداث هذا الهجوم المُرعب، وملاحقة المتظاهرين نحو الأبنية والشوارع المحيطة، ومقر حركة الشعب، الذي التجأ إليه هؤلاء المنكوبين، في حين فتح بعض الأهالي بيوتهم و"صدورهم" للفارين، وعمد بعضهم لركوب بعض السيارات المارة للفرار. 

ربما يكون تحقيق جريدة الأخبار موضوعيّاً ومهنيّاً يتوخى الأمانة الصحفية، إلاّ أنّ اللافت للنظر تلك المقالة التي كتبها رئيس تحرير صحيفة الأخبار إبراهيم الامين على رأس التحقيق، الذي تساءل بالعاميّة: وبعدين! وهذا مؤشر على ضيق الخلق وذروة الإشمئزاز عند أحد أكبر المُنافحين عن الثنائية الشيعية(حزب الله وحركة أمل)، فقد ضاق الأمين ذرعاً ب"عقلية" هؤلاء البلطجية، والعقلية هنا لا تعني بالطبع عقلية "الزعران" الذين يضربون خبط عشواء أو وفق الأوامر، بل عقلية "الاستاذ" الذي طالما وزّع حكمةً وتعقُّلاً على القاصي والداني، على الخصوم السياسيين قبل الحلفاء، ويستدل الأمين على "جمود" عقلية الرئيس بري، ومعه قادة حركته، بعدم قراءة نتائج الانتخابات البلدية جيّداً، ومن ثمّ النيابية، وبعدها المؤتمرات الحزبية الداخلية، وإذا كان للرئيس نبيه بري الحقّ في أن يغضب ممّن مزّقوا صُورهُ في بعض مناطق الجنوب، إلاّ أنّه ظلّ غافلاً عن السبب الحقيقي وراء ذلك، وعن تغيّر المزاج الخاص في بيئته، ولعلّه ما يزال يرمي الفشل تلو الآخر على ما تبقّى من رواية " اليساريين الحاقدين"، أو "بقايا الإقطاع الأسعدي".. إلاّ أنّ الامين لم يلفت نظر الرئيس بري إلى ما ينتظرهُ هذه المرة على يد المُتحفّز الدائم لوراثة حركته، وهو حزب الله، ولعلّ هذه المقالة مع التحقيق الصحفي، الذي وصف أنصار أمل بالبلطجية، والمترافقة مع هجومٍ صارخٍ ضد الرئيس بري من جانب النائب اللواء جميل السيد، طالباً منه أن "يضبّ" معاونه الرئيسي السيد أحمد بعلبكي، ومن جانب السيد محمد عبيد ( مدير عام الاعلام السابق ومُنشقّ عن حركة أمل)، الذي هاجم الاستعراضات الميليشياوية لحركة أمل في بيروت والنبطية، هذه الانتفاضات بوجه حركة أمل من قِبل أصوات عالية في صفوف تيار الثنائية الشيعية ربما تؤشّر إلى ظهور تصدُّعات وشقوق خطرة في جسم هذه الثنائية( ولعلّ وقعها على الرئيس بري سيكون أكثر سوءاً وضرراً من جمهرة بعض المتظاهرين أمام مجلس الجنوب)، ذلك أنّ الرئيس بري كان بارعاً طوال حياته السياسية بالضرب بسيف غيره، كان يضرب بسيف سلطة الوصاية السورية على لبنان طوال ربع قرن من الزمن، وبعد خروج السوريين من لبنان عام ٢٠٠٥، راح يضرب بسيف المقاومة، يشهره عند اللزوم، ويُغمدهُ حين تنتفي الحاجة له، وربما كان أركان البلطجية الذين خرجوا أمام مجلس الجنوب بالأمس شاهرين عصيّهم وسكاكينهم على دراية بما يحتويه شعار: "هذا مجلس المقاومة، هذا مجلس الشهداء يا كلاب" من آثارٍ نفسية ووجدانية واجتماعية وسياسية في خَلَد الحاضر والغائب، الكنّة قبل الجارة، وفي نهاية المطاف: "محرومون" بلطجية يقفون بوجه "محرومين" سلميّين.