ماذا يعني أن يكون المرء مثقَّفًا اليوم؟ لا أجد تعريفًا آخرَ للمثقَّف. المثقَّف ملتزمٌ ومعارضٌ بوصفه عضوًا في المدينة، وهو يسعى جاهدًا من أجل التَّغيير نحو الأفضل. فيكون مثقَّفًا كلِّيًّا عندما يكون فارس العدالة وعندما يمثِّل ضمير الإنسانيَّة جمعاء، وباسم القيم الإنسانيَّة العامّة، العدالة والحرّيّة والمساواة.
 

   من هو الفيلسوف؟ وأيُّ دورٍ بقي له؟ ومن هو المثقَّف؟ وأيُّ دورٍ بإمكانِه أن يُمارسه اليوم؟    باختصارٍ، الفيلسوف عاشق الحكمة أو صديقها. ويُعرف بأنَّه الفَيْهوم أي المبدِع للأفهوم (الفلاسفة هم الفَيَاهِمة أي مبدِعو الأفهوم). ولا فلسفةَ من دون مشكلةٍ فلسفيَّةٍ ومن دون حقلٍ فلسفيٍّ ومن دون إبداعٍ للأفاهيم ومن دون شخصيَّةٍ أفهوميَّةٍ (شخصيَّةٍ قلِقَةٍ تمثِّل الفيلسوف وتنطق باسم فلسفته، تكتشف الحقلَ وتحرثه وتزرعه بالأفاهيم المناسبة: سقراط أفلاطون، أبله ديكارت، قاضي كنط وزرادشت نيتشه) ومن دون صورةٍ معيَّنةٍ عن الفكر.     بهذا تكتمل عناصر الفلسفة، تكتمل عناصرُ القول الفلسفيّ فيكون قولًا في الفلسفة وليس في أيِّ قولٍ آخر.  ويصبح عندئذٍ، للأفهوم معنًى. وبهذا يتمُّ الرَّد على ثرثرات الوضعيَّة المنطقيَّة وعلى المنطق الذي، في نظر دولوز، يأخذ فكرةً طِفليَّةً عن الفلسفة. كما يتمُّ الرَّد على فيتغنشتين الذي يعتبر، في نظر دولوز أيضًا، كارثةً فلسفيَّة.    يسعى الفيلسوف حاهدًا لبناء سستام وإنْ كان بناؤه يظلُّ موقَّتًا. وهو لا يصبح فيلسوفًا إنْ لم يستطع القيام بذلك، أي إذا لم يستطع بناء سستامٍ فلسفيٍّ، بناءَ أُنظومةٍ فلسفيَّة تختلف عمَّا لدينا من أُنظوماتٍ فلسفيّة. ولا يهمُّ من أين يبدأ الفيلسوف، من الأنطولوجيا أم من التَّاريخ أم من الإبيستمولوجيا أم من الميتافيزيقا...الخ. وفي اعتقادي، إنَّ الحقل المتاح حاليًّا للتَّفلسف هو التَّفلسف القائم في الحقل الاقتصادي، هو التَّفلسف الذي يعتبر  الحقل الاقتصادي منصَّةً للانطلاق لإعادة تعريف الإنسان وإعادة التَّفكير في الحياة والكون والإنسان. والمطلوب أن لا يتحوَّل الفيلسوفُ إلى اقتصاديٍّ، بل أن يشتغلَ كفيلسوفٍ في الحقل الاقتصادي.    لقد أضعنا ما يكفي من الوقت ومن الثَّرثرة في موضوعات الميتافيزيقا والكون (الكينونة) والإبيستمولوجيا وحتى الأخلاق، ونسيت الفلسفة ما هو الأهم، نسيت تاريخها الذي ابتدأ بالتَّزهُّد والزُّهد، نسيت تاريخها الذي ابتدأ بتدبير شؤون الحياة. بربِّكم، هل كانت مشكلة الميتافيزيقا ملحَّةً إلى هذه الدَّرجة حتى يدبِّجَ كنط آلافَ الصَّفحاتِ ليقول لنا إنَّ العقل البشريَّ عاجزٌ عن البت، إيجابًا أو سلبًا، في مسألة وجود الله أو خلود النَّفس أو لا نهائيّة الكوسموس؟    ماذا نحفظ من كنط اليوم؟ ما نحفظه منه هو فقط نصٌّ قصيرٌ لا يتجاوز الصَّفحات الأربع بعنوان: ما الأنوار؟    إنَّ موضوعات فوكو في الجنون والعيادة والكلمات والأشياء والجنس و...الخ لهي أهمُّ ممَّا سطَّرته عماراتٌ فلسفيَّةٌ شاهقة. ولعلَّ كتابه الأخير (الانهمام بالذَّات) من أفضل كتب الفلسفة وأكثرها راهنيَّةً.    ماذا يعني أن يكون المرء مثقَّفًا اليوم؟    لا أجد تعريفًا آخرَ للمثقَّف. المثقَّف ملتزمٌ ومعارضٌ بوصفه عضوًا في المدينة، وهو يسعى جاهدًا من أجل التَّغيير نحو الأفضل.    فيكون مثقَّفًا كلِّيًّا عندما يكون فارس العدالة وعندما يمثِّل ضمير الإنسانيَّة جمعاء، وباسم القيم الإنسانيَّة العامّة، العدالة والحرّيّة والمساواة. وكان سارتر أكبر تجسيدٍ للمثقَّف الكلّي. ويكون مثقَّفًا نوعيًّا أو خصوصيًّا عندما يتدخَّل في الشَّأن العام كمعارضٍ انطلاقًا من مجال عمله بالذات (افتقدنا هذا الأمر في لبنان في قطاع المصارف حيث لم يخرجْ أيُّ موظَّفٍ مصرفيٍّ، سواءٌ كان كبيرًا أم صغيرًا، ليعلن استقالته ويتوجَّهَ إلى الرَّأي العام لتنبيهه ممَّا يجري في القطاع المصرفيّ الذي كان سائرًا نحو الكارثة جارًّا البلد معه نحو كارثةٍ اقتصاديَّةٍ وماليَّةٍ غيرِ مسبوقةٍ في تاريخ البشريّة). مثلًا، أخصَّائيُّ التَّغذية عندما يعارض. العالِم النَّووي عندما يعارض.    ويكون مثقَّفًا عضويًّا أو أيديولوجيًّا أو منتميًا عندما يمثِّل جماعةً أو طبقةً معيَّنة. المثقَّف الماركسي أو الديني (مهدي عامل ومرتضى مطهَّري على سبيل المثال). ويكون مثقَّفًا هامشيًّا أو لامنتميًا عندما يتابع نشاطه ويتدخل في الشَّأن العام، لكن من بعيد وعلى المدى الطَّويل. كنط وموسى وهبه على سبيل المثال.    ويكون مثقَّفًا بوصفه فاعلًا معرفيًّا أو وسيطًا معرفيًّا عندما يبتدع الأدواتِ النَّظريّةَ التي يحتاجها الاجتماعُ البشريُّ في تعايشه وحواراته حتى يعيش بسلامٍ ورُقِيٍّ (علي حرب على سبيل المثال).    والآن، في نظري، هناك نوعٌ آخرُ من المثقَّف هو المثقَّف الافتراضي أو التَّواصليّ الذي يتدخَّل في الشَّأن العام كمعارضٍ انطلاقًا ممَّا أتاحته له وسائل التَّواصل الاجتماعي. وهو يسعى إلى تحسين أوضاعه، لكن من دون أحلامٍ كبيرةٍ ومن دون ادعاءاتٍ أكبر بقدرته على تغيير الكون.