ليس المطلوب من المواطنين أن يميّزوا بين القوى العسكرية والأمنية والسلطة والحكومة والنظام، فلكل منهم مهمة يحددها الدستور، وان سمح للمتظاهرين أن يخطئوا في صرخاتهم، كأن يميّزوا بينها او أن يضعوها في سلة واحدة، فمن غير المسموح تجاهل أهل الحكم مبدأ الفصل بين السلطات. فالأجهزة الأمنية ليست بديلاً من المؤسسات، فهل لطرح هذا السؤال اليوم علاقة بفشل الدعوة الى اجتماع للمجلس الأعلى للدفاع؟
 

ليست المرة الأولى التي يظهر فيها أهل الحكم متوجّسين بعضهم من بعض فيتبادلون نصب المكامن والأفخاخ. فالخلاف السياسي حول النظرة الى ملف او قضية ما تتحوّل عند فقدان الجهة الحاسمة للبَت بوجهتي النظر وتصويب الأداء تجعلهم يتمسّكون بآرائهم قبل تبادل الإتهامات. ومن هنا تتأتى مسألة العجز في ممارسة الصلاحيات والخلافات في شأنها، فتتعدد الخطوات المتضاربة ويلجأ كل منهم الى ما يؤيّد وجهة نظره غير عابىء بما يمكن تسميته الصالح العام أيّاً كانت النتائج المترتبة على أي خطوة يتخذها هذا المسؤول او ذاك.

 

فمنذ بداية الإنتفاضة في 17 تشرين الأول الماضي وقع الخلاف بين رئيسي الجمهورية والحكومة حول أسباب ما حصل وطريقة مواجهته ومقاربته. فسجّلت أولى محطات الخلاف باستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري - تجاوباً مع مطالب الشارع على حد ما قال - من دون تشاور مسبق مع حلفائه من أهل الحكم الذين كانوا يطالبونه بالوقوف الى جانبهم في مواجهة ما يحصل.

 

ولمّا وقعت الواقعة، وتطورت الإنتفاضة وتعقدت مسألة تأليف حكومة جديدة بعد مسلسل الاستشارات النيابية الملزمة التي أسقطت عدداً من المرشحين لهذه المهمة وصولاً الى تكليف الدكتور حسان دياب مهمة التأليف، ولمّا تزامنت أزمة التأليف مع ما بلغته الإنتفاضة من مظاهر الخوف على الأمن والممتلكات العامة والخاصة وزاد الوضع النقدي المتدهور من مخاطر الوضع، وقع الخلاف بين رئيس الجمهورية ورئيس حكومة تصريف الأعمال حول قراءة التطورات بين القول انها أزمة أمنية أو انها ازمة سياسية ونقدية اقتصادية.

 

وعندما فكّر رئيس الجمهورية بالحاجة الى تنشيط عمل حكومة تصريف الأعمال، تمسّك الحريري بما يقول به الدستور وهو «الإطار الضيق» لتصريف الأعمال. وعندما خطر لرئيس الجمهورية دعوة المجلس الأعلى للدفاع الى الاجتماع لمواجهة التطورات، تمسّك الحريري برأيه وهو أنّ المشكلة سياسية وليست أمنية، وأنّ الحل يكون بالإسراع في تشكيل الحكومة العتيدة بدلاً من حكومة تصريف الأعمال، قاصداً إلقاء الضوء بنحو ساطع على الفشل في تركيبها على رغم من انها تحوّلت طبخة داخلية بين اهل البيت الواحد. وعليه، اضطرّ رئيس الجمهورية تمسّكاً منه بنظرته الى الازمة على أنها سياسية وأمنية بامتياز، وفي ضوء تفاقم الوضع الأمني، الى عقد اجتماع أمني بدلاً من المجلس الأعلى. فالداوفع الى هذه الخطوة كبيرة، إذ بات العسكريون من مختلف الأجهزة والمؤسسات على الأرض خارج ثكناتهم ومقارهم منذ 3 اشهر، وتجاوز عدد الجرحى منهم ومن المنتفضين المئات، وبلغت الخسائر في الأملاك العامة والخاصة مئات الملايين من الدولارات، عدا عن تلك غير المرئية في الإقتصاد وعالم المصارف والمال والمؤسسات التي تتجه الى الإفلاس على اكثر من مستوى تجاري وصناعي وخدماتي وسياحي.

 

وفات البعض انه كان في استطاعة رئيس الجمهورية الدعوة الى اجتماع للمجلس الأعلى للدفاع في غياب نائب رئيسه، أي رئيس الحكومة، لأيّ سبب كان. فالمجلس ليس مؤسسة دستورية مستقلة، إنما هو من الآليات التي يمكن لأهل الحكم اللجوء اليها لمعالجة حدث طارىء وإصدار التوصيات لا القرارات الى الوزراء المعنيين أو مجلس الوزراء مجتمعاً لترجمة التدابير التي يوصي بها عند حصول أي حادث قاهر أو حرب أو زلزال طبيعي. وإلّا ما معنى ان يضمّ المجلس، بالإضافة الى الوزراء الأمنيين في وزارتي الداخلية والدفاع، وزراء الخدمات الأخرى كالمال والعدل والاقتصاد وممثلي السلطة القضائية. وفات البعض ايضاً انّ في إمكان نائب رئيس المجلس اي رئيس الحكومة ان يدعو المجلس الى الإجتماع إذ له الحق في ذلك عند غياب رئيسه لأيّ سبب كان.

 

وفي الحالتين، يظهر جلياً انّ ما هو جار من نقاش حول الإجتماع من عدمه ينمّ عن حجم الخلاف القائم بين رئيس الجمهورية وفريقه ورئيس حكومة تصريف الاعمال، الذي بات وحيداً في المواجهة بعد انفراط عقد التسوية السياسية التي جاءت به الى السراي الحكومي وبعون الى القصر الجمهوري. ولذلك، فقد أظهرت مواقف الساعات التي سبقت الإجتماع الأمني أمس مدى تفاقم الخلاف حول الجدوى من اجتماع المجلس الأعلى للدفاع من عدمه، وهو أمر لا يبشّر بكثير من الخير، خصوصاً انّ تمادي الخلاف حول تشكيل الحكومة الجديدة التي يمكنها ان تمسك بزمام الأمور لئلّا تبقى البلاد معلّقة على حبل الأزمات الخطيرة التي باتت تهدد الكيان والوطن وتقود الى مخاطر جمة أقلها اعتبار لبنان دولة فاشلة ومارقة عاجزة عن تأدية واجباتها تجاه المجتمع الدولي ومواطنيها.

 

في أيّ حال ومهما بلغ الخلاف، لم يعد هناك شك في انّ ما يجري لا ينم عن حجم تقدير المسؤولين الكبار لِما بلغه الوضع في البلاد. وكل ذلك يجري في وقت كبر الرهان على الأجهزة العسكرية والأمنية التي يمكنها وحدها ان تبقي مظهراً من مظاهر السلطة والدولة والمؤسسات، وهو ما عبّرت عنه زيارة قائد الجيش العماد جوزف عون لغرفة عمليات قوى الأمن الداخلي لشَد أزرها في غياب السلطة السياسية الحامية لها، وفي ظل المواجهة الصعبة التي تخوضها في وسط بيروت في اعتبارها القوة الأساسية المكلّفة أمن المنطقة والسراي الحكومي والمجلس النيابي من ضمن توزيع الأدوار على مستوى الوطن بين القوى العسكرية والأمنية المعمول به منذ بداية الإنتفاضة الى اليوم.

 

وبناء على ما تقدّم يبقى من المهم جداً الّا تكرّس الخطوات القائمة اليوم لجهة عدم جمع المجلس الأعلى للدفاع عرفاً لا اساس له في القانون والدستور لتتلاءم الإجراءات المتخذة وحجم مخاوف اللبنانيين مما هو قائم من مظاهر سقوط الدولة، فلا يتحولون من ضحايا الأزمة المالية والنقدية التي يمكن تجاوزها ولو بعد حين، الى ضحايا أزمة سياسية تهدد الكيان والدولة ومؤسساتها بعدما قدّم المسؤولون الكبار أفضل النماذج المعبّرة عن فشلهم في إدارة الدولة ومؤسساتها. ولذلك كله أليس من الأجدى جمع مجلس الوزراء بدلاً من غيره من المؤسسات.