أكثر الفيديوهات المنتشرة والمتداولة قبل أيام في بيروت : إمرأة مسنة تقف أمام موظفي احد المصرف فتغني لهم أغان تراثية معولة على إعطائها ما يسد كفاف يومها من حقها المسلوب في المصرف المذكور . هل من ذل أكثر من هذا الذل؟ هل وصل هذا الفيديو إلى أهل السياسة ؟
 

السؤال الذي يطرحه أغلب اللبنانيين : ماذا يدور في أدمغة أهل السياسة حين يرون الناس مذلولة أمام المصارف وخائفة من جوع محدق ومهجوسة بأدوية باتت قاب قوسين أو أدنى من الفقدان والعدم؟.

يسأل اللبنانيون ولا يحصلون على إجابة  أو على نصفها أو ربعها ، ويضيفون إلى أسئلة القلق والإضطراب : أي جنس  من مخلوقات الله  ينتمي إليه أهل السياسة في لبنان؟.

في التاريخ القديم ، مشاهد من كلمات ومنحوتات ، تُظهر كيفية سوق الناس في مصر الفرعونية إلى الموت جوعا وإرهاقا ، إذ كان جلادو الفراعنة وجندهم ، يُجبرون بأقواسهم ونبالهم وفؤوسهم أشباه الأموات على بناء الأهرامات الملكية  طوال اليوم وساعاته ، فلا يتيحون للعبيد غذاء ساعة ولا ساعة راحة ، وحين تتساقط الأرواح عن الأجساد الميتة ،  يصار إلى قذفها في النهر محولة إياه إلى مقابر من ماء .

كان في مصر الفرعونية ، الصمت فضيلة ، والإعتراض على الجوع من كبائر التمرد على الفرعون ، وجاء في وصية الفرعون خيتي إلى إبنه : " إذا وجدت رجلا يتكلم أكثر من اللازم ويثير الإضطراب ، اقتله ،امح اسمه، أزل جنسه ، فذاك الرجل كارثة ".

وفيما عرفت مصر القديمة " الطعام الطبقي " ،حيث كانت موائد الفراعنة عامرة بالثيران والخراف المشوية والطيور على أنواعها والخبزالممزوج بالعسل والزبد والبيض ، فإن أصناف الطعام لدى الفقراء اقتصرت على الخبز العادي وبعض أنواع الطيورالداجنة ، وغالبا ما كان جنود الفرعون يصادرون ما تقتنيه عامة الشعب من ديكة ودجاج.

يقول فرنسيس فيفر في كتاب " الفرعون الأخير رمسيس الثالث " :

" عوضا عن السلال المليئة بالأيدي المقطوعة ،جلب رمسيس معه إلى طيبة صفوفا طويلة من المساجين لضمهم إلى العبيد ، هكذا يزداد غنى بهؤلاء النوبيين الذين سيهلكون في العمل في حقوله المنتشرة حول المدينة ".

فرعون علا في الأرض

استكبرحتى أخذه الظن أنه بلغ السماء طولا 

ما كان ينظر فرعون إلى من هم في الأرض معوزين ومنهكين ومتسولين وأشباه أحياء .

المشهد الذي كان في مصر القديمة يستنسخ نفسه في لبنان الحالي 

طوابير من المعوزين والمتسولين على أبواب المصارف 

أهل السياسة في بروجهم كما كان الفراعنة في علياء سمائهم.

في العراق القديم كان أكثر الناس عبيدا أو أرقاء أو أجراء عند الملوك وما يحيط بهم من حواشي وقلة طبقية مختارة .

حفر العبيد والفقراء العراقيون  الأقدمون قنوات الماء وكان أكثرها نقاء وصفاء  للبطاشين ولأهل المُلك والإمرة .

 الماء الملوث كان من نصيب الذين حفروا  وشيدوا  وخلدوا أعظم حضارة في التاريخ .

الصورة نفسها في لبنان الراهن. 

طبقة أهل السياسة  يشربون الماء المنقى  والمصفى والممعدن ، وحين يطالب اللبنانيون بماء نظيف تشرئب أعناق أهل السياسة وتمتد ألسنتهم متهمة " الشعب " بالمروق والخروج عن سواء السبيل .

ينشد الشاعر الجاهلي  عمرو بن كلثوم هذه الأبيات :

ونشرب إن وردنا الماء صفوا / ويشرب غيرنا كدرا وطينا.

هو منطق  الإستكبار والصلف والغرور واحتقار الآخرين ، ومنطق الطبقية نفسها حتى في الماء  وهو أحد أسرار الحياة ومقوماتها ، وكأن أهل السياسة في لبنان يقولون : لنا ماؤنا ولكم ماؤكم .

في كتب التاريخ ومشاربها واختلافاتها وفي تاريخ مشارق الأرض ومغاربها يحفظ القراء والدارسون : أن أهل الحُكم يأخذون ما يشاؤون 

يستولون على أرض لو أرادوها 

وعلى أموال لو مالوا إليها 

وعلى إمراة لو رغبوا بها واشتهوها .

في رواية " حفلة التيس " المصنفة كواحدة من أهم الروايات العالمية ، يسرد مؤلفها ماريو بارغاس يوسا ، وقائع من حكم رافائيل ليونيدس تروخييو ، دكتاتور جمهورية الدومينكان (1930 ـ 1961) ، فيقص أحداثا أشبه بالأساطير ، فقد كان الدكتاتور تروخييو يمتحن ولاء وزرائه بزيارات مفاجئة إلى منازلهم ، وما أن يدخل الدكتاتور منزل الوزير المعني حتى يخلي  الوزير منزله تاركا الدكتاتور على فراش الزوجية !!!.

امتحان الولاء

امتحان الولاء بقبول العار 

امتحان الولاء بالإنكسار النفسي والإنسحاق الشخصي والإنهزام المعنوي والتحطم الروحي .

أكثر الفيديوهات المنتشرة  والمتداولة قبل أيام  في بيروت : إمرأة مسنة تقف أمام موظفي احد المصرف فتغني لهم أغان تراثية معولة على إعطائها ما يسد كفاف يومها من حقها المسلوب في المصرف المذكور .

هل من ذل أكثر من هذا الذل؟

هل وصل هذا الفيديو إلى أهل  السياسة ؟

بماذا يمكن أن يفكر السياسيون لو  رأوا أمهاتهم  أو شقيقاتهم أو زوجاتهم وقد تحولن إلى مغنيات  مقابل حفنة من الدولارات؟

هل رأى السياسيون هذا الذل أم انهم يتلذذون بإذلال الناس ؟

الإذلال له علاقة بالسادية ، والسادية يفسرها علم النفس بالتالي :

مصطلح السادية يعود بالأصل إلى روايات الفرنسي المركيز دي ساد (1740 ـ 1815)، حيث تتسم مشاعر وانفعالات شخصياته الروائية بمتعة قهر الشريك ، فلا يحصل السادي على لذته المطلوبة بغير إيذاء الشريك  وتفجيعه وإلحاق العنف المفرط به.

هذا المفهوم توسع لاحقا ليشمل جوانب الحياة الإجتماعية والفردية والإقتصادية والسياسية ،  ففي العلاقات الإجتماعية يمكن أن يتعرض الأفراد لأذية أصدقاء مفترضين ، لا لسبب إلا لأن أصحاب النزعة السادية يرون تحقيق " الأنا " خاصتهم بالعدوان على غيرهم أو أذيتهم ، وفي عالم الإقتصاد ، ثمة من يذهب إلى إلحاق الخسائر المالية  الكارثية بأبناء المهنة بغرض تحطيمهم ليس إلا ، ومن دون تحقيق أرباح مقابلة ، فالغرض في هذه الحالة إنتاج نصر وهمي تتحقق من خلاله الذات المريضة .

في عالم السياسة ، فإن حقول ممارسة السادية وتحقيق الذات ، تكمن في تحويل  صنف من أهل السياسة للناس إلى ميادين تجارب وضحايا ، فجوزيف ستالين ( 1878ـ 1954) بحسب عالم النفس الشهير أريك فروم ، يمثل النسخة الأكثر وضوحا عن " السادية السياسية " ، إذ أنه كان يعمل على طمأنة خصومه قبل أيام من إعدامهم ، ولما يسقط  الآمان الستاليني على هؤلاء ، كان يأمر بإعدامهم، ثم يتتبع أفعال الإعدام وكيفية إعدامهم واللحظات الأخيرة لهم قبل الإعدام وبعده. الرئيس الشيوعي لكمبوديا بول

 

بقلم : توفيق شومان -وكالة أنباء آسيا-١٤-١-٢٠٢٠