وصلت طهران والمدن الأخرى إلى درجة الغليان بخروج الآلاف من المتظاهرين المنددين بالحكومة والمطالبين بإسقاط النظام فيما انحنت إيران للعاصفة الغربية بعد الاعتراف المتأخر بقيام الحرس الثوري الإيراني بإسقاط الطائرة الأوكرانية ومقتل 176 مسافرا.
 
وبعثت إيران برسائل تراجع واضحة إلى الغرب بعد اعترافها بتحمل مسؤولية إسقاط الطائرة، وإصدار تعليمات واضحة إلى أذرعها في المنطقة من الميليشيات بوقف التصعيد ضد المصالح الأميركية.
 
وأعلن قائد الحرس الثوري الإيراني الأحد في مجلس الشورى أن الهدف من الضربات التي شنت الأربعاء على أهداف أميركية في العراق لم يكن “قتل جنود العدو”.

وقال الجنرال حسين سلامي بحسب ما نقل التلفزيون الرسمي “أردنا أن نظهر أننا قادرون على ضرب أي هدف نختاره”، في إشارة إلى الضربات الصاروخية ردا على اغتيال الولايات المتحدة الجنرال قاسم سليماني في بغداد في الثالث من يناير.

واستعانت طهران بقطر بوصفها أقرب الحلفاء للتوسط مع الغرب لإنهاء مأزق إسقاط الطائرة الأوكرانية، مقابل دفع تعويضات والتهدئة السياسية في العراق والمنطقة.

ولبت الدوحة طلب الاستنجاد الإيراني بزيارة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى طهران الأحد، خصوصا وأن الأمور ما زالت غير واضحة في سلطنة عمان التي كانت الوسيط الأمثل لإيران في علاقتها مع الغرب، بعد رحيل السلطان قابوس بن سعيد، واختيار هيثم بن طارق آل سعيد سلطانا لعمان.

وقال الموقع الرسمي للزعيم الإيراني علي خامنئي إنه دعا إلى تعزيز التعاون بين دول المنطقة للتعامل مع المشكلات التي ألقى باللوم فيها على الولايات المتحدة.

وقال خامنئي لأمير قطر الزائر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني “الوضع في المنطقة غير ملائم بسبب… الولايات المتحدة وأصدقائها والسبيل الوحيد للتعامل معه يتمثل في الاعتماد على التعاون الإقليمي”.

وذكّر الرئيس الإيراني حسن روحاني، الشيخ تميم بالموقف الإيراني المساند للدوحة في أزمتها مع دول المقاطعة، في إشارة مطالبة بأنه حان الوقت كي ترد الدوحة الجميل لطهران.

وقال روحاني أثناء مؤتمر صحافي مع أمير قطر “إيران قامت بواجبها ووقفت مع قطر بعد (فرض الحصار) عليها من قبل بعض دول المنطقة، وستبقى إلى جانبها”. يشار إلى أن العلاقات بين إيران وقطر تعززت عقب إعلان السعودية ومصر والبحرين والإمارات قطع العلاقات مع الدوحة منتصف عام 2017 واتهامها بدعم الإرهاب.

ونقلت وكالة “تسنيم” الإيرانية عن روحاني القول إن الجانبين اتخذا خلال مباحثات “قرارات مهمة لتعزيز وتوسيع العلاقات بين البلدين”.

وكشفت مصادر دبلوماسية غربية أن روحاني طالب الشيخ تميم بتوسط قطر مع الدول الغربية لإيقاف الحملة المتصاعدة ومساعدة إيران بدفع التعويضات عن إسقاط الطائرة الأوكرانية، كنوع من رد الجميل لطهران على موقفها المساند لها في أزمتها مع دول المقاطعة.

جدير بالذكر أن قطر سبق وأن شاركت في صفقات إطلاق رهائن ودفع أموال كبيرة في أزمات عمليات اختطاف تمت في العراق وسوريا من قبل ميليشيات متطرفة.

ووجه الشيخ تميم الشكر لإيران، التي تشارك بلاده في حقل غاز ضخم، لدعمها الدوحة عبر إتاحة مسارات جوية وبرية بعد أن فرضت السعودية وحلفاء لها مقاطعة في مجالي التجارة والنقل على قطر في منتصف 2017.

وقال أمير قطر “علاقاتنا مع إيران تاريخية ونثمن المساعدة التي قدموها لنا، خاصة بالسنوات الأخيرة”.

وتأتي زيارة الشيخ تميم في وقت وصلت فيه إيران إلى نقطة الغليان بعد أربعة أيام من إسقاط صاروخ إيراني، الطائرة المدنية الأوكرانية، فوق إحدى ضواحي العاصمة طهران، حيث ظل الغضب يتراكم، بينما كانت الأدلة توضح أن النظام يتحمل مسؤولية مأساة إسقاط الطائرة.

وأظهرت لقطات مصورة على تويتر محتجين يطالبون باستقالة المرشد علي خامنئي بسبب هذه الكارثة. وهتف المئات من الأشخاص أمام جامعة أمير كبير في طهران “ارحل ارحل أيها الزعيم الأعلى خامنئي”.

ودعا مهدي كروبي أحد زعماء الحركة الخضراء المعارضة في إيران الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي إلى التنحي بسبب إسقاط الطائرة الأوكرانية.

وارتفع منسوب الضغوط الغربية على إيران من واشنطن ولندن وباريس وأوتاوا، الأمر الذي دفعها إلى الاعتراف بسقوط الطائرة بعد أيام من التنصل، عازية الأمر إلى خطأ أحد الجنود في الحرس الثوري الإيراني.

وقال رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو الذي فقدت بلاده 57 شخصا كانوا على متن الطائرة خلال مؤتمر صحافي في أوتاوا إن “ما أقرت به إيران في غاية الخطورة. إسقاط طائرة مدنية أمر مروع. يجب أن تتحمل إيران المسؤولية كاملة”.

وقال وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب في بيان “الحكومة الإيرانية في لحظة فارقة. بإمكانها الاستمرار في وضع المنبوذ مع كل ما يستتبع ذلك من عزلة سياسية واقتصادية أو اتخاذ خطوات لوقف تصعيد التوتر وانتهاج طريق دبلوماسي مستقبلا”.

وترى كاميليا إنتخابي فرد، رئيسة تحرير النسخة الفارسية لصحيفة إندبندنت، أن “الإيرانيين سيدفعون ثمن مواجهة دولتهم للولايات المتحدة”، مشيرة إلى أنه “لعدة أسباب لا تستطيع إيران مواجهة الولايات المتحدة في حرب مفتوحة”.

ولا تبدو الضغوط الدولية الوحيدة التي تهدد النظام الإيراني، فيما يبدو أنها أكبر أزمة تواجهها البلاد منذ ثورة 1979، لكن على المستوى الداخلي هناك غضب متصاعد بين المواطنين بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية في الوقت الذي يجاهد فيه مسؤولون كبار دينيون وسياسيون وعسكريون لمواجهة التبعات الصعبة.

ووجدت إيران نفسها محاطة بضغوط دولية حادة، جراء فضيحة إسقاط الطائرة الأوكرانية، ما دفعها إلى إعادة تقييم حجم المخاطر المترتبة على حركة الميليشيات الموالية لها في العراق.

وعلمت “العرب” أن قيادة الحرس الثوري الإيراني، أبلغت زعماء جميع الميليشيات الرئيسية في العراق، بوقف جميع الأعمال العدائية ضد مصالح الولايات المتحدة ووجودها العسكري، وانتظار تعليمات جديدة.

وقالت مصادر مطلعة إن زعماء أهم الميليشيات العراقية تلقوا توجيهات صريحة من إيران بوقف جميع أنشطتهم ضد مصالح الولايات المتحدة في العراق، مشيرة إلى أن هذه التوجيهات تم الكشف عنها في اجتماع عقد في بيروت خلال الأيام القليلة الماضية حضره زعيم حزب الله حسن نصرالله وعدد من الشخصيات العراقية.

وتداول مقربون من ميليشيات عراقية موالية لإيران في بغداد معلومات تشير إلى أن عملية استهداف السفارة الأميركية في بغداد، التي تكررت مرتين خلال الأيام القليلة الماضية، نفذت من قبل طرف محلي يسعى إلى دفع الولايات المتحدة إلى تنفيذ المزيد من الضربات ضد النفوذ الإيراني في هذا البلد.

وأكد هؤلاء أن الميليشيات الموالية لإيران لم تنفذ أي عملية ضد السفارة الأميركية في بغداد منذ مقتل سليماني، وسط تلميحات إلى أن أنصار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، ربما هم من يقف وراء العمليات الأخيرة في العاصمة العراقية.

وبالتزامن مع الضغوط الغربية إثر إسقاط الطائرة الأوكرانية، تعيش إيران موجة غضب شعبي متصاعد منذ يومين على السلطات الحاكمة.

وتحوّل تجمع الطلاب مساء السبت إلى تظاهرة غضب هتف المشاركون فيها بشعارات “مناهضة للنظام”، وفق التلفزيون الحكومي.

وهتف الحشد بشعارات تندّد بـ”الكاذبين” مطالبا بملاحقة المسؤولين عن المأساة والذين حاولوا التغطية على الحادث، حسب ما أفاد صحافيون في وكالة الصحافة الفرنسية.

وذكرت وكالة أنباء فارس الإيرانية شبه الرسمية في تقرير نادر عن اضطرابات مناهضة للحكومة أن ما يصل إلى ألف محتج رددوا شعارات في طهران ضد السلطات.

وذكر التقرير أن المتظاهرين في الشارع مزقوا أيضا صورا لقاسم سليماني قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الذي قتلته واشنطن في ضربة بطائرة مسيرة في العراق في الثالث من يناير.

وعرضت الوكالة التي ينظر إليها على نطاق واسع باعتبارها مقربة من الحرس الثوري صورا لمجموعة من الناس وصورة ممزقة لسليماني. وذكرت وكالة فارس أن عدد المحتجين يقدر بنحو 700 إلى ألف شخص.