يبدو أنّ المسؤولين والسياسيين اللبنانيين لن يفتكّوا هذا الشعب الصابر بصاعٍ من بُرٍ، أو بحفنةٍ من الدولارات المُهرّبة إلى الخارج.
 

الدولة متهالكة، المؤسسات العامة تُعاني سوء الإدارة، المصانع والمؤسسات والشركات الخاصة على أُهبة الإفلاس أو أفلست، حكومة تصريف الأعمال لا تقوى على تصريف أي عمل أو فعل، برلمان نيابي شبه مُعطّل، الإنتفاضة الشعبية ضاقت بها السُّبل، طالبت الحُكّام الذين تسبّبوا بهذا الدمار والإنهيار بالرّحيل، إذ بهم يتمسّكون بمناصبهم ومقاعدهم وكأنّ شيئاً لم يكن، سوق الدولار "السوداء" تستفحل حتى لتكاد أن تأكل الأخضر واليابس، أزمة فقدان المواد الأساسية والحيوية كالطحين والبنزين والأدوية، تعود للظهور من وقتٍ لآخر، يُطلق رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع صرخة حقٍّ ووجع في وجه من تبقّى من المسؤولين، فتضيع صرختهُ في وادٍ سحيق، يجمع رئيس مجلس النواب نبيه بري حوله كل يوم أربعاء عدداً من النواب قليلي الحيلة وعديمي الجدوى، للتّباحُث في أمورٍ شتّى، هي أقرب ما تكون للثّرثرة و"العنتريّات" الفارغة، ودعوات "لمّ الشّمل" وتوحيد الكلمة وتصفية النوايا، بما يُذكّر بحكايا الطّيب الذكر الراحل "أبو ملحم".

اقرا ايضا : قرار البرلمان العراقي بإخراج القوات الأمريكية..لا نصاب ولا ميثاقية

على أنّ ثمّة ما يمكن أن يُسلّي هذا الشعب الصابر، فعلى وقع خيبات تأليف الحكومة الجديدة، حصلت مقابلة تلفزيون الجديد مع الوزير جبران باسيل، وهو في عداد كبار المسؤولين الفاسدين في هذا البلد ( وعندما يُواجه بذلك يصرخ: أين الدليل؟)، والخبر المُرضي أنّ المقابلة لم تكن ذات فائدةٍ تُذكر، أو مُسلّية في ليالي الشتاء الضجرة، بل كانت مجرد مسخرة، ومُعيبة بحقّ هذا الشعب اللبناني المُفاخر دائماً بتميُّزه وتفوُّقه، كما كانت مثالاً صارخاً على قدرة بعض السياسيين البهلوانية، على الفجور وتهديم بنيان الدول العامرة. أمّا الفصل الثاني المُثير للإشمئزاز والشفقة في آنٍ واحد، فهو الظهور العلني التلفزيوني الطويل لرجُل الأعمال كارلوس غصن الهارب من وجه العدالة اليابانية، بعملية فرارٍ ذكّرت الجيل الماضي بمغامرات "جيمس بوند"، وهذا الظهور لم يكن أكثر من دراما-هزلية لم تزد اللبنانيين سوى يأسٍ على يأس، وضياعٍ على ضياع، والمُخزي أنّ غصن الملاحق بتُهم الفساد والإختلاس، يعرض على المسؤولين والسياسيين اللبنانيين خدماته في حال حاجتهم لذلك، مع أنّهم ليسوا بحاجة للمزيد من الخبرات والكفاءات في هذا المجال.  من أعاجيب أقوال العرب: " أهونُ من قُعيسٍ على عمّته"، وقُعيس هذا كانت عمّتهُ قد رهنَتهُ على صاعٍ من بُرٍّ، ولم تفتكّه. يبدو أنّ المسؤولين والسياسيين اللبنانيين لن يفتكّوا هذا الشعب الصابر بصاعٍ من بُرٍ، أو بحفنةٍ من الدولارات المُهرّبة إلى الخارج.