لم يعد الإعلام الحديث أداة من أدوات السياسة بل صانعا ومصدرا لتلك السياسة، وبات سلاحا يستخدم في مجالات خطيرة تفرض على الرأي العام مزاجاً كنتاج آلي لما تضخه وسائل الإعلام الاجتماعي من أخبار وتحليلات وتقارير ومعلومات من شأنها قيادة العقل الجمعي العام باتجاه خيارات وأهواء تشوّه العملية الطبيعية لتطور الفكر وحركة الرأي لدى الشعوب.
 
ولئن واكبت منصات الإعلام الاجتماعي احتجاجات موجة “الربيع العربي” منذ عام 2011، إلا أنه ثبت بعد ذلك أن أجندات سياسية تابعة لجهات دولية قد مُررت بكثافة وبخبث في سعي لقيادة هذه الاحتجاجات نحو مآلات لم يخطط لها المحتجون.
 
وبرز بشكل واضح تأثير الجهات الخارجية، عبر الشبكات الاجتماعية على سير الأحداث في دول مختلفة من العالم، لم تسلم منها حتى تلك المتقدمة تقنيا وتكنولوجيا.
 
وقد احتدّ نقاش صاخب في الولايات المتحدة إثر مفاجأة انتخاب دونالد ترامب رئيسا لهذا البلد، حيث اتهم الحزب الديمقراطي جيشا إلكترونيا روسيا بالتدخل في تلك الانتخابات من خلال بث معلومات مكثفة من شأنها النيل من سمعة وشعبية المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.
 
ولم يقتصر الجدل على سجال تقليدي بين الديمقراطيين والجمهوريين، بل إن مؤسسات الأمن في الولايات المتحدة أجرت تحقيقا أثبتت من خلاله بالدليل تدخل روسيا في هذه الانتخابات عن طريق التأثير على الناخبين من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. حتى أن الرئيس ترامب، الذي شكك بتحقيقات مؤسسات الأمن في بلاده، عاد واضطر للاعتراف بتدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية، مع تأكيده أن هذا التدخل لم يكن وراء فوزه.
 
وقد كشفت التحقيقات فضيحة شركة “كامبريدج أناليتيكا” التي باعت معطيات ومعلومات عن مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي لصالح حملات انتخابية في عدة دول، كان أهمها وأشهرها حملة ترامب في الولايات المتحدة وحملة الخروج من الاتحاد الأوروبي في بريطانيا.
 
ويجري كثير من البحث حول غياب المهنية عن الإعلام الحديث مقارنة بما انتهجه الإعلام الورقي التقليدي. ويرى الكاتب الصحافي علي الصراف أن “مصداقية الصحافة الورقية لم تتغير بالرغم من دخول وسائل إعلام أخرى”.
 
ويعتبر الصراف أن الإعلام أيا كانت طبيعته، يمثل وجهة نظر يدافع عنها، بالتالي فإن “الدوافع السياسية قائمة في كل مصدر من مصادر الإعلام”. غير أن الصراف يعترف بما للإعلام الاجتماعي من قوة في الوقت الحاضر تنافس الإعلام التقليدي، ويقر بأن “لا أحد يستطيع محاصرة وسائل التواصل الاجتماعي”. وفيما كان الإعلام في العالم العربي مملوكاً إجمالا للجهة الحاكمة فقط، بحيث لم يكن متاحاً أي حيز لإعلام آخر أو بديل، يخلص الصراف إلى أننا “ندفع الآن ثمن احتكار الحقيقة سابقا”.
 
ويطرح أمر الإعلام في مصر بصفته محركا أساسيا لصناعة الرأي العام في بلد بلغ عدد سكانه حوالي المئة مليون نسمة.
 
ويعتبر الباحثون أن تجربة مصر في العقد الأخير كانت مريرة عبر ما شهده البلد من تحولات دراماتيكية سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية، وأن الإعلام كان حاضراً بكثافة داخل مصر وخارجها في السعي للتأثير في استقرار البلد وتحديد مساراته.
 

وقد شهد هذا العقد تحولا كبيرا في المشهد الإعلامي العام المصري من خلال ولادة مؤسسات إعلامية واختفاء أخرى، ناهيك عن حركة انتقال ملكية وسائل الإعلام من جهة إلى أخرى، انتهاء بتبدل الرسالة الإعلامية وتطورها وفقا لما تفرضه التحولات السريعة داخل مصر.

ويرى الكاتب الصحافي صفوت عمران أن “الإعلام التقليدي المصري كان أكثر التزاماً بالمعايير المهنية خلال السنوات الماضية”.

ويأتي هذا الرأي من ارتباك في مقاربة ظاهرة الإعلام الاجتماعي الذي اجتاح البلد دون أي تحضير مسبق، بحيث بدت المنصات الاجتماعية أكثر رشاقة وحضورا، طالما أنها تتمتع بعدم وجود ضوابط مهنية تحد من شطط الرسائل التي تبثها، وطالما أن الأخبار المزيفة تتحرك بسهولة داخل فضاء الأخبار العام.

ويقول عمران في هذا الشأن إنه باتت “هناك مطالب بوضع قانون لحرية تداول المعلومات لمواجهة الشائعات في مصر”. غير أن كثيرا من الخبراء يشككون في قدرة القوانين على كبح جماح ثورة إعلام تتيح لها التكنولوجيا الحديثة دينامية يصعب ضبطها.

ويتحدث عمران عن حملة إغراق إعلامي تعرضت لها مصر من منصات خارجية للنيل من البلد، بحيث “بات إعلاميو مصر يشعرون أنهم جنود في معركة تستهدف بلدهم”.

وعلى الرغم من أن الإعلام الورقي التقليدي يتحمل جزءا من معضلة الإعلام هذه الأيام، خصوصا لجهة اضطراره إلى التخلي عن معايير مهنية تقليدية لصالح الانخراط في حمى المنافسة مع الإعلام الحديث، إلا أن المشكلة الكبيرة تكمن في فضاء الإعلام الاجتماعي الذي بات ثورة تتحكم التقنيات بها أكثر من قدرة صانعي الإعلام على التحكم بها.

ويقول خبير الإعلام الرقمي إياد بركات، إن المشكلة هذه الأيام تكمن في خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي باتت تدفع الإعلام نحو آفاق لم يعد المتخصصون وفقها قادرين على معرفة تأثير الإعلام على الناس.

ويلفت بركات إلى أن الإعلام هذه الأيام، ليس وليد صانعه بل أن “الجمهور أصبح حالياً مشاركاً في صياغة الخبر” والترويج له على نحو لا يمكن توقع أحجامه. ويعرب بركات عن تشاؤمه من القدرة على ضبط الإعلام والمنصات الإعلامية، ويذهب إلى استشراف لافت بأنه “ستكون هناك مطالب بتفكيك وإعادة صياغة بعض المنصات الاجتماعية” في المستقبل.

والظاهر أن الإعلام الاجتماعي يتعامل مع المتلقي من خلال غرائزه وأهوائه وربما نقاط ضعفه، وبالتالي فإن أهداف ذلك الإعلام تكمن في تصويب الرسائل باتجاه فضاء اهتمامات المتلقي وتقودها باتجاه دون غيره.

من جهته، يرى الدكتور موسى برهومة، أستاذ الإعلام بالجامعة الأميركية بدبي أنه “علينا إعادة النظر في الثقافة السائدة بالمجتمعات العربية”. ويعتبر أن مسألة اختراق المجتمعات بالأخبار الزائفة تتعلق أيضا بمدى حصانة المجتمعات المستهدفة لإدراك الصالح من الطالح في هذه الأخبار.

ويعترف برهومة بأن “أغلب وسائل الإعلام تعتمد على التضليل والبروباغندا”، ويؤكد من جانبه بأن “الإعلام المسيّس كان له دور كبير في قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي”.

ويهتم برهومة، بصفته أستاذا للإعلام بقضية الحفاظ على حرفية مهنة الصحافة والإعلام وهو يراقب بقلق كيف أن “وسائل التواصل الاجتماعي قلبت وظيفة وهيكلية الإعلام من عمودي إلى أفقي”، وهو يروي كيف يصطدم طلاب الإعلام حين ينتقلون إلى العمل في المهنة بواقع آخر مختلف عن العلوم والمعايير والقواعد التي تلقّوها في الجامعات.

ويعتبر برهومة، صاحب كتاب “مهنة المتاعب: مهارات في الكتابة الإعلامية”، أن آفة الإعلام الموجه ليست حكرا على العالم العربي، لكن “الإعلام الغربي قادر على صناعة الأخبار الموجهة بشكل احترافي”. ويخلص إلى أنه “يجب تقديم الخبر بشكل احترافي للوصول إلى الناس وزيادة المصداقية لديهم”.

ويعتبر خبراء الإعلام أن العالم استفاق من صدمة الإعلام الحديث وهو ذاهب نحو استيعاب الصدمة داخل منظومة تتحكم به. ويرى هؤلاء أن شركات الإنترنت العملاقة، مثل فيسبوك وإنستغرام وتويتر ويوتيوب، قد تأخرت في التنبه إلى المخاطر التي تشكلها منصات الإعلام الاجتماعي على السلم الدولي العام وعلى النظام السياسي الديمقراطي برمته، لكن مباشرتها في تفعيل ورشة عملاقة لـ”تطهير” تلك الشبكات من الشوائب تمثل بداية صعبة، وأن المعركة صعبة ومعقدة في التصدي للأخبار المضللة والأنباء المزيفة، خصوصا أن الأمر يتطلب مواجهة العشب السيء دون قتل الأشجار المثمرة، بكلمة أخرى العملية تتطلب الاهتداء إلى نقطة