هذه الثورة هي مخاض استعادة السيادة الوطنية وتوكيد سلطة الشعب على جميع السلطات، فمن هيمنته على مفاصل القرار سيتبلور بناء البلد وسينتهي المطاف بتحرير الفكر من الصّنميّة السياسية.
 

إنطلقت الإنتفاضة اللبنانية في السابع عشر من تشرين الأوّل بهتافات ضدّ جلاوزة تربّعوا على عرش الإمرة في لبنان طيلة ٢٧ عاماً وضدّ شلطة تمثّلت بأحزاب احتكرت المنابر والقضايا النّبيلة لتصِل لمآربها التي تمّ تبيانها بممارسات أودت بلبنان وشعبه إلى الهاوية والإنهيار الإقتصادي والإجتماعي والغطاء هو "المقاومة"...

 

تصدّر شعار "كلّن يعني كلّن" جُلّ السّاحات الوطنيّة الحالمة ببناء دولة العلمانيّة والمؤسّسات دولة الحرّية والعدالة الإجتماعية؛ ما لبث أن انطلقت الحركات الوطنيّة بوجه هذه الطغمة الحاكمة تزامناً مع الثورة العراقيّة وتناغماً مع مجرياتها حتّى ارتعدت صفوف الأحزاب اللبنانيّة ذات طابع الأجندات الخارجيّة فبدأت بالعمل على شيطنتها عبر نسبها للعمالة للسفارات تارةً وعبر اتّهامها جزافاً بالمسّ بقدسيّة المقاومة تارةً أخرى من أجل الإنقضاض عليها واستفزاز العنصر الممانع اتّجاه ثوّار الوطن !!!

 

استمرّت الثورة بزخمها فاضطُرّ الساحر بتفكير عميق إلى إطلاق الشعارات الطّائفية مبتدِئاً بالعنصر الشيعي عبر هتاف "شيعة شيعة" مستعيناً ببعض الشتائم المخزية ناكراً علاقته فيها لأنّها تشوّه صورته المقيتة الّتي ترشح من كلّ أنواع المساحيق التجميلية المصنوعة بحرفيّة أمنيّة بحتة ... ما توانت غرف الأحزاب السوداء للحظة عن متابعة "الثورة اللبنانية" وفتحت خطوط التّنسيق مع بعضها البعض لتأجيج الشارع السّني كخطوةٍ تالية لردّ الطائفة الشيعيّة إلى حظيرتها ظنّاً منهم بأنهم قدروا على تخدير الثورة بأساليب تمّ استعمالها على مدار العقود السابقة بُعيد تكليف "حسان دياب" رئيساً للحكومة بتوافق أميركي-إيراني وبمباركة الحريريّة السياسيّة التي وجّهت فوّهات أقلامها على هذا التكليف كجرعة زائدة وخطوة أخيرة تحت مبدأ القتل الرحيم الذي يهدف إلى إجهاض هذه "الثورة المباركة" بأفعال شيطانية ...

 

إنّ ما يجري في الإقليم العربي عموماً وفي لبنان خصوصاً يربأ عن كونه مفاوضات جارية على مستوى روسي-إيراني-أميركي، بل ينأى بنفسه عن المؤامرات ويندرج في محور تأطير الشعوب العربية واستنهاض المقاومة العربية التي ستخرج من رحم الثّورات القائمة والتي ستقوم في أغلب البلدان العربية ضدّ أنظمتها القمعيّة المنفّذة للأجندات الخارجية وهذا ما سيودي لصفاء الشعوب وزجّ كلّ طغاة الأنظمة في الأقبية والسجون وحينها سيوضع حجر الأساس في عودة المقاومة على بدئها كقضية مركزية تتجسد بفلسطين؛ تباعاً على ما تقدّم، تمّ نسب روح الممانعة والرّفض بلوبي واحد أحد صُرف عليه مليارات الدولارات ينطوي تحت الصناعة الأمنية والبروباغاندات الإعلامية يُشبه النّفث في العُقد حتّى تمّ اختصار هذه الفطرة الروحية بطائفة واحدة تترمّز بالإمام الحسين الغير عالم والغير معاصر لبدعة الطوائف والتقسيم الديني محتكرين رسالته العابرة لكلّ أرجاء الأرض ذات الطابع الإنساني بحيث يكمن دور الثوار في لبنان والإقليم بردّ روح الإنتماء والمواطنيّة لكلّ مواطن وبإعادة تأطير مبدأ وروح المقاومة العابرة للجنس والعرق والدين والمنشأ المحصورة بعرفانية الإباء والإنسانية ...

 

بتعقيبٍ أدق، الثورة في لبنان لن يُطفأَ جمرها ولن يُذرّ رمادها في الهواء فهي عرّت كل الأطياف من مساحيقها وأظهرتها بصورة جليّة وفضحت تفرّها بالسلطة والمقاومة وانصياعها لمرجعيات السفارات فأضحى العار العظيم عليها لأنها نهت عن أفعال تأسّست هي على مثلها، ورغم كلّ الإتفاقيّات الخارجية ااذي يسوّق لها العملاء من الأحزاب من أجل إبرام معاهدة السلام مع العدوّ الإسرائيلي متخفّين بتاريخ مقاوم سرقوه وبقومية عربية خانوها وبمدنيّة هم غير أهلٍ لها سيتمّ دفنهم بتراتيل لعنات المظلومين وبشموخ قضيّة الثائرين فالدّماء التي بُذلت هي من هؤلاء ومن أهاليهم دوناً عن كل الأطياف الحاكمة التي تاجرت بالناس والقضية بلا استثناء ...

 

هذه الثورة هي مخاض استعادة السيادة الوطنية وتوكيد سلطة الشعب على جميع السلطات، فمن هيمنته على مفاصل القرار سيتبلور بناء البلد وسينتهي المطاف بتحرير الفكر من الصّنميّة السياسية وستعود فلسطين قضيّة مركزيّة عربيّة عبر مقاومة تضيء مشاعل العز والسياسية النبيلة غير المطبّعة مع العملاء التي تشوبها شوائب الغدر والنفاق، فالسابع عشر من تشرين هي البداية والمقاومة عَودٌ على ذي بدء .