إن العمل الدؤوب على تشويه مصطلح المستقل باعتباره غير الحزبي فقط، ما هو إلا خديعة جديدة لا تعني إلا استمرار السلطة الفاسدة بسلوكها المافيوي وإمعانها بنكران ما نحن عليه من واقع مأساوي ليس إلا .
 

واحدة من أخطر ارتكابات هذه السلطة الحاكمة، ليس فقط أنها سرقت الاخضر واليابس، وأوصلت البلاد والعباد إلى حافة المجاعة والانهيار الاقتصادي الذي نشاهده يوميا على أبواب المصارف والبنوك بعد أن كنا نشاهده على أبواب المستشفيات والادارات الرسمية ! 

 

وإنما امتدت أيدي هؤلاء المجرمون إلى العقول وسرقت حتى الذكاء اللبناني وثقافته، فشوهت الكثير من المصطلحات السياسية والمفاهيم الاعتقادية، فلا "الوطنية" وطنية بالمعنى الصحيح، ولا "الاصلاح والتغيير" يمت الى المعنى الحقيقي له بصلة، حتى "المقاومة" صارت حزبا ومصالح لا علاقة لها البتة بمحاربة الاحتلال، فضلا عن حماية "المحرومين" و "التقدمية"، أما "المستقبل" فغدا إمعان بالماضي السحيق، وتحول الرئيس "القوي" الى مجرد ألعوبة صغيرة بيد عائلة جل همها تناتش مكتسبات السلطة، وهكذا الدور الآن وصل الى مصطلح "المستقل"، هذا التوصيف الذي رفعه المتظاهرون كصفة أساسية لرئيس الحكومة المرتقب، والذي يهدف أول ما يهدف إلى إبعاد كل أحزاب السلطة ورموزها العفنة، ويعكس أولا وأخيرا حجم القرف الذي وصل إليه الناس من أداء هذه المافيا على مدى عقود من السرقة والنهب والمحاصصة والمذهبية والطائفية والمحسوبيات والاستزلام وتأليه الزعيم ووو حتى تحول وطننا الحبيب الى أبشع من مزرعة وأقل من زرائب عشائرية متناحرة متقاتلة فيما بينها بهدف استمرار شيخ القبيلة ورفاهيته ورفاهية أولاده على حساب الحد الادنى من حياة باقي المواطنين  فتحول مصطلح "المستقل" بفضل كذب وخداع هذه المافيا وعفن عقولها، من مصطلح بديهي سهل لا يحتاج إلى إعمال عقل، إلى مصطلح معقد متداخل صعب يكان أن يضيع الواحد في متاهات تفكيكه وشرحه مما اضطر أحدنا إلى كتابة مقال عن الموضوع! 

 

فتعريف ال "المستقل" على أنه شخص غير حزبي ولا ينتمي "بالبطاقة الحزبية" إلى أي من الأحزاب هو لعمري تعريف فيه الكثير من السذاجة والخفة، فكم نعرف من حزبيين وأتباع زعامات هم بالواقع خارج الأطر الحزبية بالمعنى الضيق، فسليم جريصاتي على سبيل المثال والذي لا يحمل بطاقة التيار العوني، هو عوني أكثر من جبران باسيل، وغطاس خوري هو حريري أكتر من أحمد الحريري نفسه !! وكذلك هو الحال عند معظم الازلام والمستشارين، 

 

من هنا نجد أنفسنا مضطرين إلى صوغ تعريف محدد عن المستقل (على الأقل كما يفهمه الثوار والمتظاهرون)، فتعريف الاستقلالية كما نفهمه، تشبه إلى حد كبير تعريف "المتقي" في كتب الاصوليين والفقهاء، وهي عبارة عن "ملَكة"، يتمتع بها الفرد بغض النظر عن موقعه، هذه الملكة تتأتى من مجموع مقدمات لا بد من وجودها (رجاحة عقل – ضمير حي – نظافة كف – سلامة نفس من الانا وكل العقد – احترام الذات – رفض التبعية العمياء – جرأة في قول الحقيقة  ... )، ولا فرق بعد ذلك تموضع هذا الشخص، حتى ولو كان "حزبيا" بالمعنى الكلاسيكي، وقد يقول قائل هنا، أن هذه المواصفات هي مواصفات نرجسية صعبة المنال، اما نحن فنقول أنها مواصفات عادية جدا في أي انسان سوي وطبيعي.

 

إقرأ أيضًا: هل يجب إعطاء حسان دياب، فرصة ؟؟

 

  الخدعة الحمقاء التي يعمل لتسويقها هذه الايام، والتي للاسف يروج لها بالاضافة لاحزاب السلطة، يروج لها  الرئيس المكلف، هي اعتبار "المستقل" فقط تطلق على الشخص غير الحزبي، ليصير بعد ذلك مستشار الرئيس بري الذي لا ينتمي إلى حركة أمل شخص مستقل !! 

 

والمضحك المبكي في هذا السياق، والذي وصل الى حد "الهبل" في عملية تشكيل الحكومة، هو ما يطرح من حكومة "مستقلين" من الاحزاب ! و "مستقلين" من  الحراك !!! وهذا بحد ذاته  ما يثير التقيؤ والضحك، لان "المستقل" الحقيقي لا يمكن تصنيفة الى جهة معينة حتى ولا الى الحراك أو الثورة ... فلو سلمنا جدلا أن الاحزاب سوف تلجأ لدعم مستقل (عنده ملكة الاستقلالية) فهو  حتما سيحظى بمقبولية الحراك حتى لا نقول انه مرشح الحراك أيضا.  

ختاما، إن العمل الدؤوب على تشويه مصطلح "المستقل" باعتباره غير الحزبي فقط، ما هو الا خديعة جديدة لا تعني الا استمرار السلطة الفاسدة بسلوكها المافيوي وإمعانها بنكران ما نحن عليه من واقع مأساوي ليس الا .