أصبح المحظور واقعاً لبنان في مهب الرياح والتجاذبات.
 

لا الحلول السياسية تلوح في الأفق، ولا بوادر اقتصادية تنبئ باحتمالات حصول انفراج قريب، في ظل غياب الجدية بمعالجة كوامن الهدر والفساد، وكله بسبب التعاطي اللامسؤول من قِبل السياسيين.  ويبدو لبنان متروكاً بلا رعاية دولية جدية، والسبب أيضاً هو أداء القوى السياسية التي لا تزال تبحث عن التنازع على الحصص والمكاسب وتسجيل النقاط، وربما هذا هو ما دفع رئيس حكومة تصريف الأعمال، سعد الحريري، إلى الخروج عن صمته، ورفعه للبطاقة الحمراء بوجه الرئيس المكلف، ومن الواضح أن الحريري يقصد التيار الوطني الحرّ، ورئيسه الوزير جبران باسيل، الذي لا يترك مجالاً إلا ويريد من خلاله البحث عن مكسب أو نقطة، سواء في السياسة أم في ممارسته الشعبوية. حتى الساعة، ما زالت قوى السلطة تراهن على أنّ المجتمع الدولي لن يسمح بانهيار لبنان لضرورات مختلفة، منها عدم تدفق النازحين نحو أوروبا. ولذلك، تستمر هذه القوى في المماطلة ورفع السقوف. 

 

وهكذا، فلا خيارات كثيرة أمام فريق السلطة. والرئيس المكلّف وعدَ بحكومة خلال شهرٍ أو ستة أسابيع. وفي الحقيقة، هذه هي المهلة القصوى التي يتحمّلها البلد، مع تَسارع التقارير السلبية وتنامي الاتجاه نحو الكارثة. وسيواجه لبنان استحقاقات بالغة الخطورة بدءاً من كانون الثاني.

 

 وتحذيرات جنبلاط وسواه من خطر المجاعة لم يعد فيها الكثير من المبالغة.

 

إقرأ أيضًا: البلد في الهاوية فهل من حبل نجاة !

 

  إذا واصَل هذا الفريق نَهج المراوغة والمراهنة على كسب الوقت وخداع المجتمع الدولي والسعي إلى إسقاط الانتفاضة، فالعواقب وخيمة هذه المرة. و خصوصاً حتى الآن، لم يفرض الأميركيون عقوباتهم على لبنان. فقط فرضوا عقوبات جزئية على الحزب، وما زالوا يتريّثون في توسيعها لتشمل حلفاءه. ويعرف الجميع أنّ واشنطن، إذا قررت جدياً فرض عقوبات على الدولة اللبنانية، فإنّ انهيارها يصبح مسألة ساعات. 

 

أنّ الركيزة الاساسية لتحسين الوضع المالي والاقتصادي هي الثقة، وهي مفقودة مع هذه الطبقة السياسية التي شكلت سابقاً إحدى ركائز التسوية، وبالتالي، فإن الحكومة العتيدة التي ستتشكل ستكون محكومة بخطيئة أصلية اذا تشكلت من لون فريق واحد. لذا فإن السؤال هل التأليف سيكون على غرار التكليف من لون سياسي واحد. وهل التأليف سيكون على غرار التأليف السابق، أي ان القوى السياسية ستسمي وزراءها في الحكومة. فاذا سلكت الأمور طريقها بهذا المنحى، فإن الحكومة محكومة بالفشل. لأن العقلية السياسية المتحجرةالتي اوصلت لبنان الى الفشل ستستمرّ في إيصاله الى الفشل مجدداً، خصوصاً انّ المشكلة ليست في استبدال وزير سياسي بوزير تكنوقراط، بل المشكلة أن هذه العقلية السياسية تقدم اولوياتها الذاتيّة والحزبيّة على الوطنية. وهذه النقطة بالتحديد التي نسفت المرتكزات التي استندت اليها التسوية.

 

 

ففي الأساس، تعرضت هذه التسوية لاهتزازات، بفعل عدم الالتزام بشروطها الاساسية، وهي أولًا مسألة تحييد لبنان عن نزاعات الخارج، وثانياً عنصر اكتمال بناء الدولة الذي لا يحصل في الشكل المطلوب، والدليل دخول لبنان في فصول الانهيار، فيما النأي بالنفس لم يُحترم في الشكل المطلوب، وهذا ما يفسر الانتكاسات التي حصلت للتسوية. عن ما يهم اللبنانيين، وما يجب القيام به لإخراج لبنان من المأزق الذي يمر فيه، ويمنعه من الانزلاق إلى الهاوية. وما يؤشر إلى أن الأزمة ستكون عميقة، ولا يبدو أن مهلة تأليف الحكومة ستكون كافية للوصول إلى تفاهم عريض تتوافق عليه القوى السياسية، ويحظى برضى الشارع، وبالتالي الأزمة إلى استفحال، وسط عدم رضى شعبي ودولي على أداء القوى السياسية، ولا سيّما بدء بروز التباينات بين الرئيس المكلف وبعض أطراف الاكثرية ، لكنه في الحقيقة يعكس أزمة عميقة، تؤشر إلى أن لا أحد، يهتم بشؤون البلاد، التي تبدو ذاهبة إلى صورة قاتمة، خصوصاً وأن التلاعب الأمني، والتغذية لاستثارة العصبيات المذهبية قد بدأت بقوة، على هذا الاساس تسير السياسة اللبنانية، بلا منهجية، ولا سياق، ولا رؤية. وهو واقع تمليه لحظة الفراغ التي دخلتها البلاد.