«تنعاد عليكم». قالها الرئيس سعد الحريري عند خروجه من الإستشارات في قصر بعبدا. طبعاً، المقصود هي الأعياد. ولكن، بالمعنى الرمزي، هل يقصد أن لا حكومة ممكنة في الأفق؟
 

لم يسبق للبنان أن عرف استشارات نيابية تتضمن هذه الكمية من المناورات السياسية:

 

- الأولى كانت لرئيس الجمهورية وحلفائه من فريق السلطة عندما حجب عملية الاستشارات لأسابيع تحت عنوان: الاتفاق السياسي على الحكومة أولاً.

- الثانية كانت للرئيس سعد الحريري الذي أعلن انسحابه من المعركة وتَفرَّغ لإحراق بعض الأسماء (سمير الخطيب وبهيج طبارة وسواهما) ثم عاد إلى المعركة، ثم انسحب مجدداً من دون أن يسمّي أحداً سواه، تاركاً لنفسه عملياً أن يعود في أي لحظة.

- الثالثة كانت لـ«الثنائي الشيعي» وفريق رئيس الجمهورية مجدداً: الذهاب إلى المرشح حسان دياب، فيما كان العنوان المرفوع حتى اليوم هو تجنّب حكومة اللون الواحد في هذه المرحلة منعاً لاستفزاز أحد، في لحظة حرجة جداً سياسياً واقتصادياً ومالياً ونقدياً.

طبعاً، قوى السلطة ستحاذر الإيحاء بتركيب الحكومة من وزراء ينتمون إلى أحزابها، لئلا يؤدي ذلك إلى اندلاع مواجهة سياسية خطرة داخلياً وخارجياً. وستعمل على تركيبة توحي قدر الإمكان بالتكنوقراطية.

 

ولكن، عملياً، ستكون الحكومة مطعّمة بسياسيين. وقوى 14 آذار لن تشارك كلها: «المستقبل» أعلن ذلك مباشرة، وطبعاً «القوات اللبنانية» والكتائب، وعلى الأرجح جنبلاط. ولو أنّ قوى سنّية ككتلة ميقاتي أوحت أنّها تركت الباب مفتوحاً للتعاون في التشكيلة الحكومية.

 

إذا نجحت عملية التأليف، فماذا سيكون الموقف في مجلس النواب وفي الشارع؟ وإذا واكب ذلك تدهور للوضع الاقتصادي والمالي والنقدي، في ظل إغلاق مؤسسات في القطاع الخاص وازدياد نسبة البطالة وحالات العَوَز، واحتمال تعثّر الرواتب في القطاع العام، فإنّ احتقاناً اجتماعياً خطراً قد يكون في الانتظار. وثمة خشية من قيام جهات «مدسوسةٍ» باستغلال أي عنوان يتعلّق بـ»ظلم» الطائفة السنّية لزيادة النقمة.

 

على الأرجح، قوى السلطة الثلاث الرئيسية، «حزب الله» وحركة «أمل» و«التيار الوطني الحر»، التي لا تريد بأي شكل تشكيل حكومة لون واحد مكشوفة، ستتجنّب أيضاً حكومة اللون الواحد المموَّهة بالتكنوقراط، رئيساً وأعضاء.

 

وفي اعتقاد كثيرين، أنّ قوى السلطة لا يمكن أن تقع في هذا الخطأ… وليس مستبعداً أن يقع رئيس الحكومة المكلّف في مراوحة تأليف طويلة، انطلاقاً من مقولة أنّ البلد محكوم بالتوافقات. وهذا ما كان الرئيس نبيه بري يعمل عليه في الأيام الأخيرة من خلال طروحاته المقدّمة إلى الحريري.

 

فمناورة الحريري الأخيرة بالانسحاب ردّ عليها «الثنائي» و«التيار» بمناورة تسمية دياب، والقول إنّه قادر على تحصيل الغالبية النيابية المطلوبة.

 

وفي هذه الحال، تكون هذه القوى قد استخدمت الاستشارات لا من أجل إبعاد الحريري، بل من أجل مزيد من الضغط عليه كي يتنازل في تركيبة الحكومة وبرنامجها.

 

وهكذا، وبعدما قضت المناورات السياسية بتأجيل استشارات التكليف، تحت عنوان انعدام التوافق أو فقدان الميثاقية، فإنّ المناورات قد تقضي ربما بتأجيل التأليف أيضاً تحت العناوين إياها…

 

وفي كل الأحوال، حكومة التصريف قد تكون مقيمةٌ سعيدةً حتى إشعار آخر…

 

ولكن، إلى أي حدّ مسموحةٌ المناورات السياسية، فيما كل شيء يؤشّر إلى انهيارات؟ وهل يعيش البلد وأهله ليشهدوا على ولادة الحكومات والبرامج، في ظل هذه المماحكات اللامتناهية والتفسّخ الذي يصيب المركب ويغرق به شيئاً فشيئاً؟

 

إنّها المسألة في الجوهر: «نكون أو لا نكون»…