بعد عشرات السنين على ظهور حلف الناتو، تطفو على السطح تساؤلات كثيرة بعضها يخرج من بين ظهراني أعضاء الحلف نفسه، عن فائدة وجوده ومدى فاعليته في استقرار حالة الأمن والسلم الدوليين، وما فعل بالإرهاب والإرهابيين؟ أم أنه كان ولا يزال مجرد أداة أو عصاة تستخدم لتأديب أو لإسقاط دول وإنهاء أنظمة «مارقة» من وجهة نظر أحادية، كما حدث في العراق وليبيا ويوغسلافيا سابقاً. الواقع أن تدخلات الناتو تسببت في تمدد المنظمات الإرهابية بمختلف تسمياتها من «القاعدة» و«داعش» و«دامل» وغيرها من المنظمات الشريرة التي ابتليت بها المنطقة، إذ مارست هذه المنظمات التقتيل والتنكيل والتخريب. ليبقى السؤال الكبير: هل استشرى الإرهاب بعد تدخل الناتو في هذه الدول؟

 

الإجابة هي نعم، بل وطال كثيراً من الدول. فليبيا أصبحت مستودعاً للإرهابيين ومعسكراً رحباً لهم، ونقل هؤلاء الإرهابيون خبرتهم إلى مقاتلي سوريا. وقد قال وزير دفاع إردوغان مرة إن «جيشنا الوحيد في الناتو الذي حارب (داعش)، بينما في الحقيقة الجميع يعرف العلاقة بين جيش إردوغان و(داعش) سوريا والعراق»، كما اعترف بذلك الرئيس الفرنسي ماكرون، الذي قال: «عندما أنظر إلى تركيا أرى أنها الآن تقاتل ضد من قاتلوا معنا، وأحياناً تعمل مع مقاتلين على صلة بـ(داعش)»، بينما إردوغان هدَّد حلف الناتو بمعارضة خططه بدول البلطيق إن لم يعتبر حربه على شمال سوريا حرباً على الإرهاب، بعد أن تمكنت قوات سوريا الديمقراطية من تحريره من «داعش»، الذي سكن واستوطن آمناً في شمال سوريا على حدود إردوغان طيلة سنوات، من دون أن يشن جيش إردوغان أي حرب عليه، أو يعتبره منطقة خطر تستوطنها جماعات إرهابية.

 

ضربات الناتو في ليبيا مثلاً هي التي مكنت ميليشيات الإسلام السياسي من التمدد في ليبيا وما جاورها، فاستولت على مخازن السلاح الهائلة ووزعتها على مختلف الجبهات، و«الثوار» الذين وصفتهم قناة «الجزيرة» وتوابعها، هم في الأصل أغلبهم من مقاتلي تنظيم القاعدة، وخاصة الجماعة الليبية المقاتلة المرتبطة بـ«القاعدة»، وهذا ما ثبت فيما بعد. لقد دمر الناتو جميع القواعد الجوية والبحرية الليبية ومنظومة الدفاع الجوي، ودمر القطع البحرية الليبية، مما أتاح الفرصة للجماعات الإرهابية، وأغلبهم من مقاتلي الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة آيديولوجيا كالجماعة الليبية المقاتلة بقيادة عبد الحكيم بلحاج وخالد الشريف، وكذلك ميليشيات الإخوان المسلمين بقيادة الصلابي وبن حميد والعريبي من الاستيلاء على مخازن السلاح وتوزيعها على أتباعهم، وبالتالي نشر الفوضى والإرهاب في كل مكان. هؤلاء الأفراد جميعهم مطلوبون عربياً ودولياً بتهم الإرهاب، فقد ذكرت صحيفة «الغارديان» البريطانية أن «الضباط العسكريين البريطانيين والفرنسيين والأميركيين كانوا يقدمون للمتمردين (المشورة اللوجيستية وغيرها من المشورة بشكل ما)، إذ كانوا يظنونهم (ثواراً)».

 

وكما أكد مجلس جنيف للحقوق والحريات أن جرائم حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا لا يمكن أن تسقط بالتقادم، ولا بد من الملاحقة القضائية لها بقصف ليبيا، التي بلغت التقديرات لها إلى حدّ قتل وجرح عشرات الآلاف بين ليبي وأجنبي، فضلاً عن تشريد أكثر من مليوني ليبي، والشعار كان حماية عشرات المدنيين من آلة القذافي العسكرية، فكان نصيب الملايين بين القتل والتشريد والتهجير والنزوح القسري.

 

ذاكرة الشعوب لن تنسى، خاصة أن الناتو استخدم صواريخ مزودة باليورانيوم المنضب، مما تسبب في ارتفاع نسبة ازدياد حالات الإصابة بالسرطان في أرجاء ليبيا، وبالمثل حدث في بلاد الرافدين العراق. وهكذا ما زال الإرهاب ينمو ويزداد ويتمدد، ولم تحد هذه الضربات والتدخلات منه، بل زادته اشتعالاً وعربدة، ولا يزال الناتو حائراً مما فعل، وهو يرى ليبيا الآن مرتعاً لمختلف المنظمات الإرهابية التي تخطط لضرب أوروبا وقض مضجعها، فهل يا ترى يستجمع الناتو قواه مجدداً للقضاء على هذه التجمعات الإرهابية، ويصلح ما أفسده، أم أنه كما قال ماكرون إنه في «حالة موت دماغي».