ربما، لا، بل إن المؤكد أن المواجهة الفعلية والحقيقية مع إيران، أي مع هذا النظام الإيراني، هي المحتدمة الآن في العراق بمعظمه، وفي مدنه الوسطى والجنوبية كلها، وأن الذي يقود عمليات المواجهات الدامية مع الشبان والأطفال العراقيين هو الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الذي يتنقل بين المناطق العراقية بحماية أكثر من خمسمائة من حراس الثورة الإيرانية، وهنا فإن هناك معلومات لا شك فيها تؤكد أن قوات من الجيش الحكومي الإيراني قد عبرت الحدود العراقية، وأنها بالإضافة إلى وحدات «الباسيج» والميليشيات المذهبية الأخرى باتت تنتشر وتتمركز في الكثير من المحاور الساخنة الوسطى والجنوبية.

 


والواضح، أن أصحاب القرار في طهران وعلى رأسهم علي خامنئي قد قرروا بعد تلك الانتفاضة الأخيرة، التي كانت أكثر خطورة في المدن الإيرانية الرئيسية، أن ينقلوا المواجهة بكل ثقلها إلى العراق على اعتبار أنه يشكل ساحة الصراع الرئيسية، وأن فقدان هذه الساحة يعني فقدان كل مناطق السيطرة الإيرانية في العالم العربي، أي في سوريا ولبنان واليمن، وأيضاً في قطاع غزة، وفي بعض دول الخليج العربي!
إن المعروف أن «المرشد» علي خامنئي كان قد قال وبكل عنجهية وتفاخر، إن إيران باتت تسيطر على أربع عواصم عربية، وكان يقصد بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، وهذا يعني أن كل هذه الحروب المحتدمة في هذه المنطقة هي من صنع إيران، وأن المواجهة بصورة عامة هي عربية - إيرانية، ويقيناً أنه لا حياد في هذه المواجهة؛ فإما هنا وإما هناك، والمفترض أن العرب كلهم «هنا» وإلا فإن «الصفويين» عائدون إلى بلادنا لا محالة، وهذا يعني أنه لا يجوز أن يترك العراقيون يواجهون هذا التحدي المصيري وحدهم، وإنه عارٌ ما بعده عار أن تلوذ بعض دول هذه الأمة في المساحات الرمادية، وأن ينحاز بعض أبنائها إلى من يعلنون وعلى رؤوس الأشهاد أنهم يريدون استعادة «أمجاد فارس» القديمة.

 


لقد بات واضحاً أن العراق بأرضه وبغالبية شعبه، وهذا إنْ ليس كله، قد أصبح خندق المواجهة مع هذه «الإيران الـخامنئية»، وأنه عندما يرابط الجنرال قاسم سليماني بقواته ومعها بعض القوى الطائفية والمذهبية في الكثير من مناطق ما بين النهرين، فهذا يعني أن الشعب العراقي العظيم يخوض في حقيقة الأمر معركة مصيرية وقاسية، وإنه لا يجوز أن يترك وحده في هذه المواجهة، فالمثل العربي يقول: «أُكلت يوم أكل الثور الأبيض»، ولعل ما تجدر الإشارة إليه في هذا المجال هو أن الخميني الذي بقي لاجئاً في النجف ولسنوات طويلة كان ما إن عاد إلى طهران بالصورة وبالطريقة المعروفة حتى بات يتجه بتطلعاته الاحتلالية والتمددية نحو العراق، وهكذا وإلى أن حقق له أتباعه بعد نحو أربعة عشر عاماً ما بقي يحلم به ويريده في عام 2003 عندما فتح الأميركيون، بعد إسقاط نظام صدام حسين، حدود بلاد الرافدين أمام زحف إيراني بطابع احتلالي اختلطت فيه «الميليشيات» الطائفية والمذهبية بـ«حراس الثورة» وبـ«المستوطنين» الذين كانوا وما زالوا يحلمون بإعادة بناء «إيوان كسرى» واستعادة ما يعتبرونه أمجاد فارس القديمة!

 


وعليه، وبينما أن أرض الرافدين تشهد الآن صراعاً مصيرياً يتكئ على ماضٍ بعيد، فإنه يجب الأخذ بعين الاعتبار أن «إيران»، التي اعتقد بعض العرب عندما نجح الخميني في انتزاع الانتصار على نظام الشاه محمد رضا بهلوي من أيدي القوى الإيرانية الفاعلة، وفي مقدمتها حركة «مجاهدين خلق» بقيادة مسعود رجوي، ومعها تشكيلات وتنظيمات المعارضة العربية والكردية والبلوشية كلها، قد حققت تمدداً احتلالياً في العراق الذي يرابط شعبه الآن في الخنادق الأمامية وفي سوريا، وبالطبع في لبنان واليمن، وأن اللاذقية على شواطئ البحر الأبيض المتوسط أصبحت قاعدة بحرية متقدمة لدولة «الولي الفقيه» التي لا تخفي تطلعاتها التوسعية الاستحواذية في العالم العربي كله، إنْ في هذا الجزء الآسيوي، وحتى وإنْ في القارة الأفريقية.

 


وعليه، فإن المعروف، قبل أن تتبدّل الأحوال ويصل «إيرانيو» علي خامنئي وقاسم سليماني وحراس الثورة و«الباسيج» إلى اللاذقية، ويسيطروا قبل ذلك على دمشق ويحولوا ضاحية بيروت الجنوبية إلى قاعدة لهم، أن الخميني بعد هزيمته في حرب الأعوام الثمانية مع العراق قد قال «إنه قد تجرّع وقف إطلاق النار في هذه الحرب كتجرّع السم الزعاف»، وأنه ما لبثت الأمور أن اتخذت اتجاهات جديدة، وأن التمدد الإيراني في بلاد الرافدين قد تم من دون أي قتال، وذلك على اعتبار أن الأميركيين قد فتحوا حدود هذا البلد العربي الشرقية أمام الإيرانيين الذين كانوا بانتظار هذه اللحظة التاريخية لتسديد حسابات قديمة وجديدة مع بلاد الرافدين التي يخوض شعبها الآن هذه المعارك الدامية غير المتكافئة دفاعاً عن الأمة العربية كلها، وكما كان حصل في حقب تاريخية سابقة.

 


كان يجب أن تكون هناك وحدة موقف عربي عندما أعلنت طهران عن هلالها المذهبي الذي يبدأ طرفه بـ«باب المندب» في اليمن، وينتهي طرفه الآخر في اللاذقية على شواطئ البحر الأبيض المتوسط مروراً بالعراق، وقبل ذلك ببعض الدول الخليجية، وحقيقة أنه يمكن القول إنه كان بالإمكان أن تحقق إيران نجاحاً «استراتيجياً» في هذه المحاولة لو لم تعترض طريقها المملكة العربية السعودية بمساندة من بعض الدول العربية البعيدة والقريبة.
ولذلك؛ ولهذا كله، فإنه على العرب المعنيين ألا يتركوا الشعب العراقي يخوض هذه المعركة المصيرية، التي هي معركة عربية ودفاع عن الأمة كلها، وحدهم فالعبء ثقيل بالفعل، والمفترض هو ألا تتوقف انتفاضة الشعب الإيراني الأخيرة، وخاصة أن كل المكونات القومية (الإيرانية) قد انخرطت فيها: الفرس والآذريون والأكراد والعرب والبلوش، وأن بعض الرموز الإيرانية «الإصلاحية» قد انخرطت فيها مثل حسين موسوي ومهدي كروبي اللذين هما رهن الإقامة الجبرية، ومعهما كثيرون غيرهما ومنذ سنوات متعددة طويلة.

 


إن على خامنني ومعه جنرالاته وقادته، وأيضاً رموز بعض الفصائل العراقية الطائفية والمذهبية، أن يعرف أنه إذا خسرت دولته، دولة «الولي الفقيه»، العراق فإنها ستخسر وبالتأكيد كل ما كانت قد حققته من امتدادات في المنطقة العربية، وأنها ستخسر أيضاً إيران كلها وعلى اعتبار أن القوى التي قامت بهذه الانتفاضة الأخيرة، وفي مقدمتها حركة «مجاهدين خلق»، ومعها التشكيلات العربية والكردية والبلوشية المعارضة ستستأنف ما كانت قامت به خلال الفترة الماضية القريبة؛ ولهذا ومرة أخرى فإنه لا بد من التأكيد على أن العراق الثائر والمنتفض هو الرقم الرئيسي في هذه المعادلة الصعبة، وأنه على العرب الذين هم مستهدفون أيضاً ألا يتركوه وحده؛ فالتطلعات الإيرانية، التي كانت حققت نجاحاً حقيقياً في الكثير من الدول العربية لا بد من الاعتراف به ليست جديدة ولعل ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، رحمه الله، كان خلال زيارته التاريخية إلى طهران بعد انتصار الثورة الخمينية في فبراير (شباط) عام 1979 قد طلب من الخميني ترك الجزر الإماراتية الثلاث لأهلها كعربون صداقة وأخوّة وكان جوابه: «إن هذه الجزر إيرانية وهي ستبقى إيرانية إلى يوم القيامة». وهكذا، وفي النهاية، فإن هذه هي إيران الخمينية والخامنئية، وإنه لا يفلُّ الحديد إلا الحديد، وإن العراق هو ساحة الحسم الرئيسية، وإنه على العرب ألا يبقوا متفرجين على هذه المواجهة التي سيتوقف مصير هذه المنطقة على نتائجها القريبة والبعيدة!