لا شك أن النظام اللبناني الحالي هو عبارة عن نظام سياسي لتقاسم حصص طائفية، بين أحزاب هي مجرد كيانات طائفية، في شكل أحزاب مدنية، الأمر الذي جعل من الحياة السياسية عبارة عن صراعات محتدمة باستمرار؛ مما عقد الحياة العامة للشعب اللبناني الذي رفض هذا النهج الطائفي، وخرج للشارع يطالب بإسقاط العهد الطائفي، الذي يحميه ويرتزق من وجوده أمثال حسن نصر الله زعيم «حزب الله»، الذي يلعب دور المعطل لأي حل سياسي خارج الطائفية، التي يقتات منها الحزب وعناصره.

 

اشتعل الضرب والاعتداء في ساحات لبنان بعد تهديدات حسن نصر الله زعيم ميليشيا «حزب الله»، التي كان أطلقها في بداية شرارة الثورة اللبنانية على الطائفية والفساد، وقال فيها إن «حزب الله» قادر على النزول أيضاً إلى الشارع، وإن نزوله سيغيّر كل المعادلات، وإن العهد لا يمكن إسقاطه. ساحة رياض الصلح وسط العاصمة اللبنانية بيروت شهدت مظاهر عنف إلى حد التشابك بالأيدي بين مؤيدين لـ«حزب الله» وآخرين من الحراك، الأمر الذي سيقسم الساحات اللبنانية ويخرجها من حالة الاتحاد إلى حالة الانقسام والاصطفاف السياسي، وهو الهدف الذي يسعى إليه «حزب الله».

 

رد فعل الشارع على تهديدات زعيم «حزب الله» ولاءاته، عبر هتافات واضحة لا تقبل التأويل، جعل بعضاً من أنصاره في حالة هستيريا غضب تضرب هنا وهناك، من دون أي هدف سوى جر الشارع إلى العنف لإفشال سلمية المظاهرات. «الثورة» أو المظاهرات اللبنانية التي انطلقت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي رافعة شعار لبنان، رافضة للطائفية والفساد، والتي يطالب فيها المتظاهرون بإسقاط النخبة الحاكمة من دون استثناء إذ يحمِّلونها مسؤولية انهيار اقتصاد البلاد من خلال الفساد وسوء الإدارة، ما زالت متقدة، وستظل حتى تحقق أهدافها. وهي سائرة بسلميتها لتحقيق هذه الآمال، رغم المحاولات التي تريد جرَّها إلى مربع العنف والانزلاق إلى الفوضى.

 

ولقد تناغمت خطابات رئيس الجمهورية اللبنانية، ميشال عون مع رؤية حسن نصر الله للثورة والثوار، الأمر الذي أغضب المتظاهرين من خطابات الرئيس المتكررة بالطعم واللون والنكهة والمحتوى نفسها، وحتى طريقة الإخراج التلفزيوني لها، الأمر الذي نظر إليه المتظاهرون الغاضبون على أنه مجاراة لأجندات «حزب الله»، وأنه يصطف إلى الحزب على حساب مطالب المتظاهرين، وهو ما حاول ميشال عون، في خطابه الأخير تفادي التأكيد عليه، دون أن يقطع شعرة معاوية مع «حزب الله» حليفه السابق في تولى كرسي الرئاسة. اللبنانيون عبروا عن رغبة جامحة في دولة وطنية مدنية فيها حق المواطنة المكفول بالتساوي لجميع اللبنانيين بعيداً عن التمييز الطائفي، والحل يكمن في إنهاء العهد الطائفي، وتشكيل حكومة تكنوقراط في لبنان، وهذا أمر مرفوض بالمطلق من «حزب الله».

 

لكن «حزب الله» بدأ في الواقع يفقد بوصلة الاتجاه بفقدان شعبيته حتى في معاقله كالنبطية، جراء سمعة الحزب وخاصة ما يتعلق بالفساد، فقد وصف السفير الأميركي السابق، جيفري فيلتمان سمعة «حزب الله» بأنها «تآكلت خلال المظاهرات التي يشهدها لبنان حالياً». فمظاهرات لبنان أظهرت حقيقة «حزب الله» المتآكل من داخله والمعرقل لأي حالة إصلاح سياسي في البلاد، خاصة بعد استشعاره الخطر على وجوده الهش في الحياة السياسية اللبنانية. لا يمكن للبنان أن يتعافى إلا بإسقاط هذا النظام الطائفي، وبناء الدولة العصرية الخالية من المحاصصة.