من الصعب إخضاع الثورة في لبنان لأيّ نمط من الأنماط المعتادة في التجربة النضالية والثورية كونها لا تستند للنصوص الثورية التي تحاكي طبقة في المجتمع كما هي الماركسية أو نخبة كما هي الليبرالية أو المستضغفة كما هي الخمينية وهذا ما دفع المتأثرين بالنصوص المذكورة والوصفات الجاهزة إلى إعتبار ما يحصل في لبنان هو مجرّد ربيع لبناني أو صيغة من صيغ الإعتراض على السلطة أو ظاهرة من الظواهر الإجتماعية أو أنّها أيّ شيء ما عدا أن تكون ثورة كم في أدبياتهم .

شأن المتأثرين والمتعلقين بالنصوص السياسية أو الإيديولوجية توصيف الظاهرة اللبنانية كما شاء إيمانهم ولكن لا يمكن إحتكار الفهم وتقيد المفاهيم الأخرى التي تجعل من الظاهرة اللبنانية ثورة جديدة بمفاهيم جديدة غير خاضعة لأيّ نزعة إيديولوجية و غير مرتبطة بأيّ ولاية ولأيّ سيطرة قيادية تضع بيض الشعب في سلّة القائد الذي يختصر نضال بشر وتضحيات مجتمعات بشخصه الشريف بحيث يصبح إلهاً مؤلهاً من قبل الحافين به من ناقصي عقول وصاحبي مناصب ومصالح فيفرضون ألوهيته تحت عناوين وأسماء غير موجودة حتى في اللائحة الطويلة لأسماء الله الحسنى بمعنى أنّهم يتجاوزون حتى إسم الجلالة ولا يرضون بالأمين مثلاً أو بالحافظ وهذا ما جعل من القادة العرب والمسلمين سواء كانوا في سلطة الدولة أو الأحزاب آلهة تأكل أخضر الشعوب ولا تبقي على يباسها.

 

إقرأ أيضًا: حزب الله بين سامي كليب وأنيس النقّاش

 

لأوّل مرة يقود المجتمع نفسه و بكل تنوعاته و على إختلاف مشاربه وتتعدّد فيه القوى الحيّة والناشطة على المستوى التعليمي والإجتماعي و المهني بحيث أن كل القطاعات في المجتمع مشاركة في الثورة وهذا ما برز من خلال الحضور القوي للجامعات الغنية التي لم تكن من عاداتها التطلع الى سوء السلطة كونها مرتاحة مالياً وكانت الجامعة اللبنانية تخوض بشكل كبير وحدها مسؤولية مواجهة السلطة الفاسدة في مرحلة المارونية السياسية . إن سيطرة القوى المهمّشة على الشارع العربي طيلة التحوّلات الإجتماعية والتي أتاحت تغيرات في طبائع السلطويات العربية لم تعد منذ بدايات الربيع العربي هي القوى المعنية في إحداث التغيّرات بل على العكس تمّ توظيفها لصالح السلطويات القائمة لقمع الثورات العربية وهذا ما حصل في أكثر من بلد عربي وغير عربي إذ أنّهم واجهوا الثورات بالقوى المهمّشة من قبيل الشبيحة والبلطجية والزّعران و ما إلى ذلك من تسميات خاصة بكل بلد وهذا ما يحصل في لبنان بحيث حاولوا قمع الثورة بمن قامت ثورات لبنان عليهم أي بالقوى المهمّشة و التي تخرج من الأكواخ والأحياء و الزواريب والقرى الفقيرة  لتأديب من يطالب بحقوقهم ودون وعيّ لأن مادة التخدير الطائفي والحزبي و الولاء القيادي يجعل منهم سكارى السياسيين الذين يحركونهم بالطريقة التي تناسبهم .

 

 

لقد أدّى العالم الأوّل تحيّة الإعجاب بثورة ملأها الناس ووفدوا إليها من البيوت الفقيرة والبيوت الغنية من الأعمال العادية إلى الأعمال الأساسية فوجدنا العامل اليومي والأستاذ الجامعي والمحامي والمهندس والدكتور والفنّان والأطفال والشباب والرجال والشيوخ والنساء الذين يقودون أمّ معاركهن ضدّ حيتان السلطة دفاعاً عن حقوق أولادهم في وطنهم وهم من جعلوا من القوّة المستخدمة ضدّ المتظاهيرين جُبناً وضعفاً عندما ردّوا على المستقوين بعضلاتهم بمظاهرات وردية ووطنية كشفت عورات الواقفين مع السلطة ضدّ ثورة شعب سيكتب التاريخ عنه أنّه باني مجد لبنان .