المعلومات التي تكشّفت عن المفاوضات التي خاضها الوزير جبران باسيل مع المرشحين المحتملين لرئاسة الحكومة أظهرت تمسّكه بوزارة الطاقة إلى جانب لائحة مطالب وشروط أخرى، الأمر الذي أحرجهم ودفعهم إلى الاعتذار عن المهمة.
 

يخشى باسيل أن تجد أزمة الكهرباء المستعصية على الحلّ منذ 30 عاماً طريقها إلى المعالجة على يد غيره، خصوصاً انها باستلامه منذ 10 سنوات.

وبالتالي، بمعزل عن كل الأسباب الأخرى التي تدفعه إلى التمسّك بها، فإنّ السبب الرئيس يعود إلى خشيته من ان يحقق غيره هذا الإنجاز بتأمين الكهرباء 24/24، لأنه سيُحمَّل أمام الرأي العام المسؤولية، ليس فقط عن التقصير بإقفال هذا الملف على رغم فداحته والتوفير على اللبنانيين دفع فاتورة للدولة وفاتورة لأصحاب المولدات، إنما ما رَتّبه أيضاً على خزينة الدولة من خسائر فاقت الـ20 مليار دولار.

فالعقدة الأساسية أمام حكومة الاختصاصيين المستقلين هي أنّ باسيل لن يتخلى عن الطاقة، فضلاً عن وزارات أخرى طبعاً ومن ضمنها وزارة الخارجية التي يعتبرها مدخلاً للترويج لشخصه لدى عواصم القرار، ولكنّ العقدة الأساس تبقى في الطاقة بسبب فضيحة الكهرباء والرهان على النفط مستقبلاً.

فالطاقة هي أمّ العقد، وقد تتحلحل العقد الأخرى، إلّا أنّ باسيل لن يتراجع عن الطاقة وسيقدِّم كل الذرائع الممكنة للاحتفاظ بهذه الوزارة بحجّة أنّ فريقه هو الأقدر على ترجمة الخطة الموضوعة، باعتباره ملمّاً بكل تفاصيلها، وكانت له مساهمة أساسية بوضعها، وغيرها طبعاً من الحجج.

فلا صدقية لحكومة، أي حكومة، إذا احتفظ باسيل بوزارة الطاقة تحت أي مسمّى تكنوقراطي أو غيره، وأي رئيس مكلّف يتعهّد لباسيل بإبقاء الطاقة معه سيسقط في الشارع، وما ينطبق على الطاقة ينسحب على الوزارات الأخرى التي يجب ان تتبدّل بعدما تحوّلت إلى مكاتب حزبية وخاصة.

وانطلاقاً من ذلك تشكّل حكومة الاختصاصيين المستقلين مخرجاً موضوعياً لكل طرف ليس لديه غرضية ومصلحة خاصة، عدا عن كونها تمثِّل حاجة مالية واقتصادية لإنقاذ الواقع المأسوي، وتجسِّد أحد المطالب الرئيسية للناس، وأظهرت الأحداث أنه يصعب القفز فوقها لتأليف حكومة تكنو-سياسية لكونها لن تحوز ثقة الشارع ولن تتمكن من إخراج لبنان من أزمته.


ففي أي ظرف طبيعي، لا استثنائي مثل الحالي، يجب ان تخضع الحقائب الوزارية للمداورة تجنّباً لأن تتحول إلى وزارات حزبية بتركيبتها الإدارية، فكيف بالحري في هذا الظرف الذي يستدعي تشكيل حكومة بعيدة عن كل القوى السياسية وتحديداً القوى التي تستخدم الوزارات لتنفيذ أجندات خاصة ومصلحية؟

وإذا أصرّ العهد و«حزب الله» على تشكيل حكومة اللون الواحد تحت مسمّى تكنو-سياسية، وبمعزل عن حظوظها في الشارع، وهي معدومة، وبمعزل عن قدرتها على مواجهة الأزمة المالية، وهي معدومة أيضاً، إلّا أنّ أي رئيس حكومة سيوافق على إبقاء الطاقة في يد باسيل سيكون بموقع من أعدمَ نفسه سلفاً وأجهضَ انطلاقته بتثبيت خضوعه لشروط باسيل وإملاءاته، كما أنّ أي تشكيلة تُبقي الطاقة في يد فريق باسيل هي تشكيلة محكومة سلفاً بالفشل ولن تعطى أي فرصة، لأنه عدا عن وجوب اعتماد المداورة في الوزارات، كيف يمكن لفريق سياسي ان يحتفظ بوزارة سجّل فيها رقماً قياسياً في الفشل، وعندما يواجه بالحقائق يعود إلى لازمته المعهودة «لم يتركوني أعمل»؟

إنّ احتفاظ باسيل بوزارة الطاقة سيكون فضيحة كبرى ونقطة سوداء في سجل الحكومة العدلي، ودليل ساطع على ما يخفيه هذا الطرف وخشيته من ان ينجز خلفه في الوزارة ما فشل هو في إنجازه، وما ينطبق على الطاقة ينسحب طبعاً على المالية والاتصالات والداخلية وكل الوزارات الأخرى، لأنه لم يعد من الجائز التعامل بشكل تقليدي مع تشكيل الحكومات بتخصيص حقائب لطوائف وأحزاب، وهذا أقله في هذه الأزمة غير المسبوقة في التاريخ اللبناني.

ولا يبدو لغاية اللحظة أنّ الثنائي العهد والحزب قرر المغامرة بتأليف حكومة أمر واقع، حيث ما زال يحاول ترغيب الحريري لانتزاع الغطاء السني منه وتأليف حكومة تضع حداً للانهيار المتمادي الذي يصيبه كسائر اللبنانيين، ولكن ليس أي حكومة قادرة على تجنيب لبنان هذا الانهيار إلا إذا كانت حكومة اختصاصيين مستقلين، غير أنّ باسيل يبدو وكأنه يريد ضرب عصفورين بحجر واحد: محاولة تشكيل حكومة قد تبصر النور، برأيه، خلافاً للتوقعات الأخرى، وفي أسوأ الأحوال تتحوّل إلى حكومة تصريف أعمال وتبقى أفضل من المراوحة الحالية، خصوصاً انّ باسيل لا يقيم وزناً للثورة، ويراهن انّ المجتمع الدولي سيمدّ لبنان بالمساعدات فور تشكيل الحكومة لأنه لا يريده أن ينهار.

وأمّا العصفور الآخر فهو إخراج الحريري من السراي لسببين: بغية ان يبرّر باسيل أنه خرج والحريري من الحكومة، ولأنه لم يعد في استطاعته التعاون معه ويريد تكليف من يكون خاضعاً لشروطه، فتتحول الحكومة الجديدة مع رئيسها الى حكومة فعلية أو إلى حكومة تصريف أعمال من دون «المستقبل» و«القوات» و«الاشتراكي».

ولكن لا مؤشرات لغاية اللحظة إلى قرب تأليف الحكومة في ظل تمسّك فريق سياسي بحكومة الاختصاصيين المستقلين لاعتبارات مالية وشعبية، وتمسّك الفريق الآخر بحكومة تكنو-سياسية لاعتبارات مصلحية.

ولكن ماذا لو دعا رئيس الجمهورية إلى الاستشارات النيابية وسَمّت مثلاً كتل «المستقبل» و«القوات» و«الاشتراكي» وكتل أخرى وشخصيات مستقلة الحريري انطلاقاً من تمسّكه بحكومة اختصاصيين مستقلين، وسمّى العهد والثنائي الشيعي شخصية سنية أخرى حازت الأكثرية النيابية، فهل تتمكن هذه الشخصية المسمّاة من لون واحد ولا تحظى بغطاء سني من تأليف حكومة جديدة؟ وأي رئيس مكلّف سيقبل «البَصم» على تشكيلة أعدّها باسيل سلفاً خلافاً لأصول استشارات التكليف والتأليف؟