المدن دروب. ولست أدري لماذا لم تحملني الدروب إلى لشبونة قبل الآن؟ ربما بُعدُها عن قلب القارة، وشعورنا بأنها أقرب إلى المحيط. ربما انطباعنا الأول والدائم أنها شيء على أطراف الأندلس وليست في عبقه وأسحاره. أستطيع أن ألقى تبريرات كثيرة، كلها غير ضروري.

 

كل ما كان يشدّنا إلى البرتغال، زوجتي وأنا، صوت آماليا رودريغز. كانت مغنيتنا في الأيام الأولى للخطوبة، وظلت كلما جاءت لأحياء حفلات في بيروت في «الإيبي كلوب» نحرص على أن تكون طاولتنا إلى مقربة منها، نسلم عليها ونبلغها إعجابنا العاطفي، كما نبلغها أنها بالنسبة إلينا، مثل فيروز، ولو لم نفهم ما تقول. لكنها بالتأكيد تغنّي شيئاً من تأليف عاصي ومنصور. مع الحرب فقدت بيروت حضور آماليا رودريغز، كما فقدت بقية نجوم العالم. غير أننا احتفظنا بأغانيها في كل مكان. لو لم يذكّرنا ابني وابنتي، بمرور 50 عاماً على زواجنا، لكانت الذكرى على بعد 50 عاماً. بيروت في الخوف، وأهلها من أمثالنا تهتز صدورهم: أهجرة أخرى في مثل هذا العمر وحقائب ومطارات؟

 

أصر البنون على أن يقدموا لنا هدية الخمسين، وأن تكون رحلة إلى مكان نختاره. وكانت ابنتي هي التي تذكرت محبتنا لآماليا رودريغز. وتكفل الابن البحث بـ«الباكج» بسبب خبرته. بدت لشبونة للوهلة الأولى مثل عواصم أوروبا الشرقية في الماضي، ولكن بعدد أكبر من السيارات. خضرتها كثيرة وهدوؤها مريح ومؤنس. لكنك لا تلبث أن تكتشف أنها تنتمي أكثر إلى الغرب، عالمها الأساسي وحضارتها القديمة، وجذر لغتها اللاتيني. مثل معظم العواصم الأوروبية، لشبونة لها نهرها، «التيخو»، أو «المقتحم»، وهو ينبع في إسبانيا ويسري فيها نحو 700 كيلومتر، ولا يُبقي للبرتغال سوى 250 كيلومتراً. ومع ذلك فهو يحمل هويتها ويملأ أشعارها وموسيقاها وأغانيها، وعلى ضفافه تنتشر مقاهي الرمز البحري للبرتغال: السردين. وكان رجل أعمال عربي قد قرر في الثمانينات أن يكسر كل قواعد جده وجدته، أي أن «يبيع الميّه في حارة السقايين». فخطر له أن ينشئ شركة لصيد وتعليب سمك السردين في بلاد البرتغال. لا أذكر ماذا كانت النتيجة. لكنني لا أنسى أمثال جدي وجدتي: سمك في البحر!

 

مثل جميع الأنهار، يثير «التيخو» أو «التاغس» أو «التاج»، الذكريات والحنين في نفوس الشعراء. الحب والجوى. وتُكتب له الأغاني مثل «النيل» و«الفرات» و«السين» و«التيبر» في روما و«الليفي» في دبلن. يأخذه الحزن، على ضفاف «التاج»، فرناندو بيساوا، المحاسب المساعد في شركة «فاسكيز». يتخيل الجيوش الحالمة التي أبحرت في سفن عالية الصواري، ثم عاد جنودها حفاة، أقدامهم غارقة في الطين والوحول. الأنهر للإبحار لا للتراجع الموحل ودندنة الانكسار.

 

لكنه سرعان ما يعثر لنفسه على تعزية، ربما وهو يتأمل وجوه العابرين أمام المقهى، فيقول إن النساء أكثر بكاءً من الرجال. يبكي الرجال قليلاً. ويحزنون قليلاً. وإذا ما بكوا وحزنوا، حوّلوا كل شيء إلى رؤية. أو قصيدة. أو متعة الغروب على نهر «التاج». إلى اللقاء...