وجد «حزب الله» نفسه فجأة محاصراً من كل الجهات: عقوبات خارجية مؤلمة، وضع إيراني مأزوم داخلياً ومضطرب خارجياً، وجع بيئته وانتفاضتها وخروجها إلى الشارع، تراجع وضعية حليفه المسيحي وفقدانه المبادرة السياسية عسكرياً وأمنياً وحكومياً.
 

يعوِّل «حزب الله» والعهد على ثلاثة عوامل أساسية من أجل تشكيل حكومة بشروطهما السياسية:

العامل الأول: الطبيعة، حيث أنّ البرد والشتاء كفيلان بإخراج النسبة الأكبر من الناس من الشارع، ومن يتبقى سيكون تأثيره هامشياً، ومع دخول البلاد في فصل الشتاء ما هي سوى أيام أو أسابيع قليلة جداً وتنتهي حركة الشارع.

العامل الثاني: تنازلات الرئيس سعد الحريري، فالإصرار على تكليفه ليس متأتياً فقط من تلافي الفتنة المذهبية وتجنُّب حكومة اللون الواحد، إنما أيضاً من الرهان الدائم على تراجعاته التي يضعها في الوقت المناسب تحت عنوان: أم الصبي والحرص على الناس والبلد. وعندما يجد الحريري أن حركة الشارع تراجعت بفعل عوامل الطبيعة، يتراجع تلقائياً ويقبل بحكومة تكنو-سياسية.

العامل الثالث: موقف الدول الغربية، إذ خلافاً لاتهامات المؤامرة والتآمر الغربي على «حزب الله»، وهي اتهامات تندرج في سياق عدة شغل محور الممانعة الذي يتقاطع مع السياسة الغربية الانكفائية ويستفيد منها، فإنّ الرهان الممانع هو على رفض الدول الغربية انهيار لبنان وسقوطه، وبالتالي قبوله بحكومة يتمثّل فيها العهد والحزب استمراراً لـ«الستاتيكو» الشهير.

فما بين الرئيس ميشال عون الذي اعتاد سياسة الهاوية، وبين «حزب الله» الذي لا يريد تكريس سابقة إخراجه من الحكومة ولو بحجة التكنوقراط، يبقى رهانهما على عامل الوقت الذي يعتبران أنه لمصلحتهما انطلاقاً من العوامل المذكورة أعلاه. ولكن ماذا لو لم تخرج الناس من الشارع، بل استشرست بسبب فقرها وتعتيرها وعدم وجود ما تخسره؟ وماذا لو شذّ الحريري عن القاعدة ورفض التنازل لأنه لا يريد أن يقود «تيتانيك» مصيرها الغرق ولا ان يتحمّل فشل سياسات العهد والحزب؟ وماذا لو أصرّ الغرب على ربط مساعدته للبنان بحكومة تكنوقراط خالية من القوى السياسية وفي طليعتها الحزب؟ فماذا يفعل الحزب وما السيناريوات التي يمكن ان يلجأ إليها؟ فهل يذهب مثلاً إلى حرب مع إسرائيل على غرار حرب تموز 2006 لقلب الطاولة واستعادة زمام المبادرة؟

لا شك في أنّ ظروف عام 2006 تختلف عن ظروف عام 2019، حيث أنّ طهران محاصرة بعقوبات شديدة ودخلت في مرحلة الخطر، ودورها في العراق مهدد وفي سوريا تحوّل ثانوياً مع تصدُّر الدور الروسي، وواشنطن وتل أبيب ينتظران الحزب عند المفترق، ولكن ضعف الوضعية الخارجية لـ«حزب الله» يبقى مجرد تفصيل أمام وضعيته الداخلية لجهة أنّ بيئته المنتفضة أساساً بحثاً عن لقمة عيشها على غرار البيئات اللبنانية الأخرى لن تحتضن مغامرة من هذا النوع، فضلاً عن انّ بيئته التي ستهجّر لن تجد من يأويها في ظل أوضاع اقتصادية مأسوية دفعت كل الناس إلى الشارع، كما أنّ لبنان لن يجد من يساعده على غرار 2006. وبالتالي، إنّ أي مغامرة من هذا النوع تمهِّد لنهايته بين سعي واشنطن وتل أبيب لضربة قاضية، وبين نقمة الناس الناقمة أساساً، وبالتالي إنّ خيار استنساخ حرب تموز هو بحكم المستبعد.

وماذا عن سيناريو أيار 2008؟ ولعلّ الفارق الأساس والجوهري بين عام 2008 واليوم هو أنّ استخدام سلاحه في الداخل حصل تحت عنوان الدفاع عن هذا السلاح، فيما عنوان سلاحه غير مطروح في الشارع اليوم، ولكن الأهم أنه تم تصويب هذا السلاح في مواجهة «المستقبل» و«الإشتراكي» لترهيبهما وإخضاعهما وجرّهما إلى «اتفاق الدوحة». وبالتالي، فإنّ الأسئلة المطروحة هي: ما العنوان الذي سيصوِّب سلاحه ضده؟ هل يمكن ان يوجِّه سلاحه ضد جميع الناس المنتفضة في الشارع؟ هل يلجأ إلى احتلال الساحات؟ هل يتحمّل استخدام سلاحه في هذا الظرف والتوقيت؟ فهذا السيناريو ساقط عملياً وغير مطروح.

وماذا عن سيناريو «داعش» من أجل تحقيق هدف مزدوج: تفجير للترويع وإخراج الناس من الشارع، وتسريع التأليف لمواجهة ما يسمّى انكشاف البلد؟ إنّ أي سيناريو من هذا النوع ستكون نتائجه وخيمة وكارثية، لأنّ مشهد الدم المعطوف على حالة الفقر والتعبئة الاجتماعية سيؤدي إلى ردة فعل عكسية، أي اندفاعية لا تراجعية، ويمكن ان تسرِّع الفوضى والفلتان كون الناس جالسة على فوهة بركان. وبالتالي، يصعب تقدير ردة فعلها أو الرهان على خوفها وانكفائها في ظل أوضاع معيشية يمكن أن تفجِّر البلد.

فالاحتقان الاجتماعي إذا ما ووجه بقوة وعنف يمكن ان يتحول من اعتراض سلمي إلى اعتراض عنفي، ومن ثم كيف يمكن ضبط عشرات آلاف الناس التي فقدت وظيفتها وأصبحت حكماً في الشارع، وإذا كان غضب الناس تفجّر على خلفية «الواتس آب»، فإنّ أي انفجار سيفقدها صوابها ويدخل لبنان في متاهة ما بعدها متاهة، لأنّ الناس دخلت في مرحلة عصيبة ودقيقة وخطيرة اجتماعياً بشكل غير مسبوق، ولذلك حذارِ اللعب بالنار.

ويبقى الرهان على عامل الوقت، ولكن هذا العامل أصبحت وتيرته سريعة نحو الانهيار، ولم يعد ضمن أوراق الحزب الرابحة التي يمكنه استخدامها، والانهيار يجعله مكشوفاً ويفقده القدرة على مواصلة الإمساك بالبلد الذي يدخل في حقبة جديدة يصعب تصوّر طبيعتها.

وبالمحصلة، «حزب الله» عاجز عن حرف الأنظار عن أزمة التشكيل من أجل استعادة المبادرة، وكل أسلحته التقليدية عاجزة عن مواجهة الناس والتصدي للوضع المالي والاقتصادي، وبالتالي لن يجد أمامه عاجلاً أم آجلاً سوى خيار واحد للخروج من المأزق ‪ السياسي: حكومة اختصاصيين مستقلين وإلّا الانهيار، وسيكون أكثر المتضررين، فلا خيار آخر قادر على إخراج الناس من الشارع وإخراج البلد من أزمته المالية، وعبثاً الرهان على الوقت، وما قد يكون مُتاحاً اليوم، أي حكومة اختصاصيين، يصبح متعذّراً غداً، ما يعني ضرورة التعجيل في التقاط فرصة الإنقاذ قبل فوات الأوان.