حزب الله امام عدة خيارات وليس من بينها الاستجابة لمطالب الشارع.
 

بعد قرابة الاربعين يوما على انطلاق الانتفاضة الشعبية في لبنان، وبعد مراكمة هذه الإنتفاضة جملة من الإنجازات، ما زالت السلطة تراوح مكانها منذ أن فرضت هذه الإنتفاضة إستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، وفرضت اجندتها الخاصة على كل مفاصل الدولة وآخرها تعطيل جلسة المجلس النيابي التي دعا إليها رئيس مجلس النواب على مدى أسبوعين متتاليين.

أضعفت الإنتفاضة الشعبية السلطات الرسمية بكل مكوناتها زعاماتها لا سيما السياسية والحزبية منها وذهبت بعيدا في التحدي فبدا المسؤولون اللبنانيون أكثر ضعفا مما كنا نتصور ومشاهد تسلل النواب إلى المجلس كانت خير دليل على أن سلطة الشعب وكلمته هي الأقوى دائما وقد وقفت أمام رغبة رئيس المجلس نفسه الذي عرف عنه تذليل العقبات في الملفات الشائكة لكنه كان ضعيفا وضعيفا جدا أمام تحديات الشارع.

مشهدية الأحزاب هي الأخرى بدت منكفئة تماما حتى حزب الله الذي كان يمسك بزمام التسويات نجده اليوم أكثر ضعفا من أي وقت مضى بعدما فشلت ماكيناته الإعلامية والإلكترونية وأجهزته الأمنية في التأثير على الثورة وساحاتها.

حزب الله ومنذ اللحظة الأولى تحسس من هذه الإنتفاضة وقد ذهب الأمين العام للحزب إلى إعلان التحدي في بدايات الثورة بلاءاته الثلاث: "لا إسقاط للحكومة ولا إسقاط للعهد ولا انتخابات نيابية مبكرة" لكن التحدي واجهته الثورة بتحدي أكبر فسقطت الحكومة في الشارع، وسقطت معها إرادة التحدي فذهب الحزب مجددا على لسان مسؤولين آخرين إلى تحسين الخطاب والوقوف الى جانب المطالب المحقة، لكن الحزب ما زال في قرارة نفسه يعتبر كل هذا الحراك تهديدا لمنظومته السياسية وللتسوية التي أعدّها ويشرف عليها.

اقرا ايضا : لا تسمعوا لكل تحريض ضدكم وتشويه ضد ثورتكم انتم اهل الحرمان واهل مقاومة

 

أمام تحدي الثورة وجد حزب الله نفسه في مكان آخر بعد انهيار التسوية وبعد التهديد الجدي من قبل الثورة لمنظومته السياسية وقد أدرك حجم المشكلة وأصبح أمام خيارات كلها مُرة فلا يريد أن يتحمل تبعات الأزمة الاقتصادية ومشاكل السلطة الاقتصادية والاجتماعية لكي لا يبدو أمام اللبنانيين عامة بيئته خاصة أنه يعرقل الحلول اللازمة بالرغم من حجم تأثيره الفعلي في السلطة وهو الامر الذي يتهرب منه عادة أمام ناسه وقواعده خصوصا للهروب من محاكمة الناس ومحاسبتهم.     بعد انطلاق الثورة انزلق السيد حسن نصر الله ليكون المدافع الاول عن كل هذه التركيبة الحاكمة، بل ذهب أكثر من ذلك بالطلب من كل المحازبين بعدم ذكر أي ملف من ملفات الفساد التي تخص حلفاءه وهو كان قبل اشهر سمح بالحديث عن شريكه الرئيس بري وعائلته ومؤسساته فانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي وكان الجيش الإلكتروني حاضرا وتم تسريب بعض ملفات الفساد المتعلقة بالرئيس بري الذي رفع صوته لاحقا، وعندها أوعز السيد نصر الله بتحييد الرئيس بري ومؤسساته عن الإنتقادات الحزبية .

ما هي خيارات حزب الله؟

بعد أن فرضت الثورة إيقاعها باستقالة الحريري بدأ حزب الله دراسة خياراته، فلم يصمد الحريري أمام الضغط الخارجي بالرغم من حرصه على رد الجميل لحزب الله والرئيس عون خلال مساعدته على خروجه من مأزقه السعودي عندما احتجز في السعودية لكنه انصاع أخيرا للضغط الخارجي واستقال وبدأ مشهد جديد .

المشهد اليوم من أبرز عناوينه هو الضغط الذي يتعرض له حزب الله من الشارع اللبناني ومن ساحات الثورة من جهة، ومن تدويل الأزمة والضغط الخارجي من جهة ثانية وقد تناهى إلى أسماع حزب الله:  "اننا لا نستطيع أن نساعدكم في المأزق الاقتصادي إلا ضمن شروط ومنها تشكيل حكومة اختصاصيين بعيدا عن الاحزاب حتى يتسنى اصلاح الوضع الاقتصادي"

اعتبر حزب الله ان هذا الطلب يشكل تحديا جديدا له ويراد منه خروجه من السلطة بل وعدم العودة اليها وعدم التاثير عليها، وأمام هذه الهواجس يقف الوضع الإقتصادي في البلاد عائقا أمام حزب الله فهل يسير باتجاه تحدي المجتمع الدولي في ظل الوضع الإقتصادي الراهن؟! 

لذلك فقد أصبحت الخيارات ضيقة جدا والسؤال المطروح في حزب الله هل يقدم الحزب على تشكيل حكومة اللون الواحد؟ 

بالتأكيد إن حكومة من هذا النوع ستنفجر في الشارع حتى لو استطاع حزب الله تغطيتها في المجلس النيابي فإنه لن يستطيع تمريرها أمام الثورة وهي مهددة حتما بالسقوط ولا تلبي المطالب وبالتالي فإن إقدام حزب الله على خطوة من هذا النوع لن تكون خيارا صحيحا لأنه سيأخذ الأمور إلى اتجاهات أكثر تعقيدا لا سيما تأثير ذلك على الوضع الإقتصادي الذي يعتبر عائقا أمام أي خطوة غير محسوبة النتائج لا سيما وأن الحزب يعرف أن الضربة الموجهة لهذه الخيارات قد تأتي على رأسه وسط التقديرات التي تتحدث عن العقوبات الأميركية المنتظرة على حلفائه المقربين ومنهم جبران باسيل وسليم جريصاتي والياس بوصعب فتكون الضربة الأولى للجسم المسيحي الموالي للحزب وبالتالي يسقط نهائيا لدى النخبة المسيحية.

لذا فإن الحزب أمام أزمة حقيقية أمام الداخل وأمام الخارج لأن استمرار المماطلة والتسويف ستنقلب عليه شعبيا لا سيما داخل البيئة الشيعية التي ما زالت حتى اليوم تحت قبضته ولكن إلى متى؟ وقد شاهدنا بالامس ما حصل في إيران عندما انفجرت الاوضاع بين الحكومة والشعب وكيف استطاعت الدولة حجب الصورة عندما اوقفت خدمة الانترنت لكنها تركت الجمر تحت الرماد لا نعرف متى ينفجر من جديد ولا نعرف كيف ستسير الامور والأزمة لم تنته فصولها بعد فقد مر الفصل الاول ويمكن ان يكون هناك تداعيات وفصول جديدة .