تحشد «ألمانيا» حالياً لعقد مؤتمر برلين بشأن ليبيا في غياب ليبيا. معادلة يصعب تفكيكها بمعزل عن منهج الوصاية الدولية على ليبيا، والتي تترجَم من خلال مبادرة ألمانية، مهندسها الدبلوماسي الألماني يان هيكر، كبير مستشاري حكومة ألمانيا للسياسة الخارجية والأمن.

 

الخطة أو «المبادرة» الألمانية نوصّفها بالفرصة الأخيرة لإنقاذ تنظيم الإخوان من السقوط المروع والوشيك في آخر معاقله في العاصمة الليبية طرابلس، التي يطبق الجيش الليبي حصاره عليها. فألمانيا بضغوط بريطانية، ربيبة وراعية التنظيم الدولي لـ«الإخوان»، فشلت في استصدار قرار في مجلس الأمن لإيقاف تقدم الجيش الليبي لتحرير طرابلس من ميليشيات الإخوان. برلين تحاول جمع الأطراف الأوروبية المتصادمة في الأزمة الليبية، للخروج بموقف موحد يخدم مصالحها في ليبيا، وتصفه ألمانيا وبريطانيا بالفرصة الأخيرة، في محاولة لجرجرة أميركا للعب دور تصفه ألمانيا «بالحياد الإيجابي» الذي لا يمكن تفسيره إلا ضمن محاولة إقناع الولايات المتحدة بعدم ممانعة تمرير قرار في مجلس الأمن يكون من شأنه أن يقدمَّ فرصة إنقاذ أخيرة لتنظيم الإخوان المنهار في طرابلس.

 

بعد دخول ألمانيا على خط الأزمة الليبية، وبشكل غير حيادي، وتحت عنوان الفرصة الأخيرة، وسعيها إلى الدفع نحو وقف فوري لإطلاق النار، الأمر الذي تعدّه الفرصة الأخيرة، يبقى السؤال عن صاحب الفرصة الأخيرة. بالتأكيد هي الميليشيات وليس الجيش الليبي، مما يثير العديد من الشكوك حول الموقف الألماني، الأمر الذي دفع النائب في مجلس النواب والأكاديمي الدكتور علي التكبالي إلى القول: «إن مؤتمر برلين (قد أجهض نفسه بنفسه) حينما دعا لوقف الضغط على المجموعات المسلحة في طرابلس».

 

وعن مؤتمر برلين، أعلن وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، توافق بلاده مع الإدارة الأميركية حول مؤتمر برلين لحل الأزمة الليبية. وقال ماس إن «الولايات المتحدة مهتمة للغاية بعملية برلين». هذا كلام ماس بينما الحضور في برلين لا يزال يراوح بين الإبقاء على صيغة «5+5» أي الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن بالإضافة إلى إيطاليا، وبين دعوة الدول المتدخلة في الشأن الليبي والعابثة فيه مثل تركيا وقطر، خصوصاً بعد مطالبة وإلحاح رئيس حكومة «الوفاق» غير الدستورية فائز السراج، ورئيس ما يسمى مجلس الدولة، الإخواني خالد المشري، اللذين طالبا بضرورة حضور تركيا وقطر، الداعمتين للميليشيات التي تعدّ حكومة الوفاق الواجهة السياسية لها. وعن مؤتمر برلين، قال سلامة إن هناك ثلاثة شروط قبل عقد مؤتمر برلين: أولها عدم تحديد تاريخ معين لمؤتمر برلين حتى يتم اتفاق الدول الكبرى. والشرط الثاني، ترجمة هذا الاتفاق إلى قرار فوري في مجلس الأمن الدولي. والشرط الثالث أن يكون هناك ممثلون للمنظمات الإقليمية.

 

من المؤكد أن حل الأزمة الليبية لن يكون في مؤتمر برلين، الذي ما هو إلا محاولة استنساخ لمؤتمر يالطا لتقاسم الكعكة الليبية بين مستعمري الأمس، إيطاليا وفرنسا وبريطانيا بوساطة ألمانية... ألمانيا التي كانت إحدى ضحايا مؤتمر يالطا بتقسيمها، فهي تحاول أن تجمع فرنسا وإيطاليا لتقريب وجهات النظر المتضاربة الأهداف والمطامح المتصادمة في ليبيا.

 

مؤتمر برلين مصيره الفشل، لأنه تعمد إقصاء الأطراف الحقيقية في الأزمة الليبية، وأنه مجرد اجتماع للتراضي بين الأطراف الدولية لتقاسم كعكة المصالح المتنازع عليها في ليبيا، بغضّ النظر عن مآسي الشعب الليبي الذي تُرك في حالة فوضى فريسةً للميليشيات المحلية والعابرة للحدود دون تُقدم له أي مساعدة فاعلة لجمع السلاح، وإنهاء فوضى الميليشيات التي تسببت فيها نفس الدول المتنازعة على المصالح في ليبيا والتي أسقطت الدولة الليبية في فبراير (شباط) 2011، دون أي مشروع دولة بديل. ولهذه الأسباب، فإن الليبيين لن يرضوا بأن تُفرض عليهم حلول من الخارج، خصوصاً ممن تسبب في إسقاط الدولة وصناعة الفوضى في ليبيا، ضحية التآمر والفوضى الخلاقة.