هناك قلقٌ يصيب القوى السياسية التقليدية، منذ أن انتهت انتخابات نقابة المحامين بالنتيجة المدوِّية. وتنكبّ هذه القوى على درس نوعين من التحوُّلات: أولاً، التفسّخات العنيفة داخل قواعدها الشعبية، وثانياً، القوى الجديدة التي تظهَّرت في الحراك، والتي لا بدّ من أن تُبدِّل في المعادلة السياسية عاجلاً أم آجلاً. فهل تنجح القوى التقليدية في استيعاب شارعها واستمرار احتكارها السلطة؟
 

عملت القوى التقليدية في الدرجة الأولى على إحباط الانتفاضة، أو «الثورة». ولكن، على الأرجح، هي تزداد اقتناعاً بأنّ هذه الانتفاضة ليست مرشحة للانكسار، بأي شكل. فعامل الوقت في مصلحتها. وتبيَّن أنّ كل محاولات الاستيعاب أو القمع أدّت مفاعيل معاكسة. وفي شهرٍ واحد، حقَّقت الانتفاضة عدداً غير متوقع من الأهداف.

عمدت السلطة أولاً إلى خدعة «الورقة الإصلاحية». لكنها وقعت في الفخّ الذي نصبته. فالورقة كانت وثيقة اعتراف بأنّ مسار الإصلاح السابق كان مجرّد أكاذيب لإخفاء الفضائح، وأنّ الأكاذيب مستمرة.

بعد أسبوع، جاءت استقالة الرئيس سعد الحريري. وفي العمق، لا يرادُ تأليف أي حكومة جديدة خارج منطوق الصفقة الحالية. وكل الكلام المتداول حول الاستعانة بالتكنوقراط والحياديين هو مجرد أقاويل لكسب الوقت. فالمطلوب فقط نسخة عن الحكومة الحالية، أو إبقاء حكومة تصريف الأعمال حتى إشعار آخر.

ثم، لذرّ الرماد في العيون، تكاثرت الوعود بملاحقة بعض الفاسدين أو المتهمين بالفساد قضائياً. وهذا «البعض» لا يساوي نسبة 1 بالألف من عدد المتهمين الحقيقيين وحجمهم، كباراً وصغاراً. ويتمّ التغاضي عن الآخرين. ولكن، في أي حال، أهل السلطة يفتحون الباب على أنفسهم، فالمحاسبة إذا انطلقت لن توفِّر أحداً في النهاية.

ولذلك، المجلس النيابي «الكسول» بالمشاريع، يلهث لإقرار بعض القوانين- سريعاً وبالقوة- وفي زمن التشريع الممنوع دستورياً، وقبل الموازنة والحكومة الجديدة وبيانها الوزاري!

أمّا على الأرض، فباءت بالفشل محاولة إسكات الانتفاضة بالتفرقة والتحريض وتشويه السمعة... وبهجمات «الزعران». والسلوك الحضاري والنظيف والبريء أظهر أنّه أقوى من الهمجية.

لكن فوز مرشح الانتفاضة في نقابة المحامين حمل مدلولات أخرى. فقد أظهر أنّ هناك معادلة سياسية جديدة بدأت ترتسم، وستفرض نفسها في أي استحقاق دستوري. وبعد انتخابات المحامين، باتت القوى التقليدية تضع كل ثقلها للحؤول دون إجراء انتخابات مبكرة، فيما الشرائح التي تخوض الحراك الشعبي تبذل الجهد في هذا الاتجاه، لأنّه سيكون السبيل الحتمي إلى إحداث التغيير المنتظر في السلطة، أي في السلطتين التشريعية والتنفيذية.

والواضح أنّ خريطة القوى السياسية بعد الحراك تتوزّع على جبهات عدّة:

1- جبهة النافذين في السلطة، الذين يقاتلون لإسقاط الانتفاضة تماماً والإبقاء على التركيبة القائمة ونهجها السياسي. وهؤلاء هم «التيار الوطني الحرّ» الذي يخشى انهيار المكتسبات التي حققها في هذا العهد، والثنائي الشيعي الذي يخشى فقدان نفوذه في مؤسسات السلطة وسقوط احتكاره التمثيل الشيعي.


2- تيار «المستقبل»: وهو يدعم الأبعاد السياسية للانتفاضة، لكنه يخشى أن تنتزع الانتفاضة شرائح من شارعه السنّي.

3- «القوات اللبنانية» والحزب التقدمي الاشتراكي: كلاهما مستفيدان أيضاً من الأبعاد السياسية للانتفاضة، خصوصاً لجهة الحدّ من نفوذ المحور الإيراني.
وفيما الاشتراكي يتأرجح داخل السلطة، تتأرجح «القوات» خارجها، أي على رغم استقالتها من الحكومة. وهذا التأرجح ظهر في تموضع «القوات» إلى جانب أحزاب السلطة في انتخابات المحامين، فيما القواعد «القواتية» شديدة الحماسة للانتفاضة.

4 - حزب الكتائب: هو الوحيد الآتي إلى الانتفاضة من نادي الأحزاب التاريخية. ورئيسه النائب سامي الجميل، مع أنّه سليل المؤسس، فإنه يصرّ على إبعاد الصفة العائلية عنه. وهو يعتبر نفسه ممثلاً لطموحات الشباب، وإن يكن حزبه قد نشأ قبل الاستقلال واضطلع بأدوار أساسية في تاريخ لبنان. ويذكّر الجميل بأنّه ساهم خلال السنوات الأخيرة في التحضير لأرضية الانتفاضة.

5 - القوى الجديدة التي ظهَّرتها الانتفاضة: في الغالب، هي أحزاب وجمعيات وهيئات شبابية وطالبية غير تقليدية، من المجتمع المدني، تنادي بالحرّيات العامة ومحاربة الفساد والإصلاح والعلمنة أو الدولة المدنية وبعضها يطالب بتغيير النظام.

وتضاف إليها قوى اليسار التاريخي، ولاسيما الشيوعيين. فهؤلاء الذين تقاطعت قوى السلطة دائماً على منع دخولهم المجلس النيابي أو مؤسسات السلطة الأخرى، ظهروا للمرّة الأولى بقوة وأثبتوا حضورهم.

كما ظهَّرت الانتفاضة حزب الكتلة الوطنية باعتباره عنصراً متفاعلاً في المعركة ضد الفساد. والحزب الذي وُلِد بعد الاستقلال، وانتقل من إميل إده إلى ريمون أده فكارلوس إده، تخلّى عن الدمغة العائلية، ثم انخرط في نبض الانتفاضة. وفي رأي أمينه العام بيار عيسى أنّ السياسيين في لبنان أنشأوا نادياً مغلقاً، فتحوَّل قفصَ اتهام، وربما يصبح سجناً.

وهكذا، تقوم الانتفاضة اليوم بعملية «خضّ» عنيفة للواقع السياسي، ولا يبدو أنّها ستنتهي قبل أن تخلط الأوراق تماماً. وواضح أنّ أركان السلطة أنفسهم باتوا مقتنعين بأنّ التغيير آتٍ حتماً. وعلى الأرجح، سيفرض الانهيار المالي نفسه في هذه العملية ويسرِّعها.

ويخطط كل طرف لما بعد الانتفاضة، إما للبقاء على قيد الحياة، كما هي حال القوى السلطوية التي تمثل أيضاً نفوذ القوى الخارجية شرقاً أو غرباً، وإما لفرض الحضور، كما هي حال القوى المنخرطة في الانتفاضة.

وعلى الأرجح، سيكون هناك تغيير في موازين السلطة في نهاية الحراك الشعبي. ستنشأ سلطةٌ بدمٍ جديد. وثمة مَن يقول: حتى الذين كانوا يحكمون البلد قبل ثورة 17 تشرين الأول سيتغيَّرون من الداخل، ولن يكونوا هم أنفسَهم بعدها… وما جرى في انتخابات المحامين بدايةٌ ونموذج.