أثار قرار وزير الصناعة والتجارة السوداني منع الأجانب من ممارسة التجارة ردودَ أفعال واسعة في السودان، غالبها من المؤيدين باعتبارها تنصف التجار السودانيين وتضع حدا لتلاعب كبير تشهده أسواق تصدير المحاصيل، تحديدا حين يدخل تجار من جنسيات أخرى بأسماء أعمال سودانية ويعمدون إلى شراء كميات كبيرة يتم تصديرها دون أن يعود ريعها إلى الخزينة في بنك السودان.
 
ونص القرار الذي أصدره الوزير مدني عباس مدني يوم الاثنين على "حظر غير السودانيين الحاملين للجنسية السودانية بالميلاد من ممارسة النشاط التجاري في مجالات إجراءات الصادر إلا بموجب قانون الاستثمار أو اتفاقيات حكومية خاصة".
 
كما منع الأجانب من الدخول في كافة إجراءات الاستيراد إلا بموجب قانون الاستثمار أو اتفاقيات حكومية خاصة، فضلا عن حظر وجودهم في الأسواق المحلية وممارسة عمليات البيع والشراء سواء مباشرة أو عن طريق وسيط محلي.
 
ويقول مسؤول رفيع في وزارة التجارة والصناعة للجزيرة نت -مفضلا عدم ذكر اسمه لعدم تخويله بالتصريح- إن القرار صدر بشأن كل الأجانب العاملين في التجارة، بمن فيهم الحاصلين على جنسيات سودانية في عهد نظام البشير.
 
ومنح نظام الرئيس السوداني عمر البشير مئات الأجانب الجنسية السودانية التي تستلزم قرارا رئاسيا، لكن ثمة استثناءات كانت تجرى يتم بموجبها استخراج وثائق السفر والجنسية لأجانب يعمل غالبهم في التجارة والاستثمار.

تعديل القانون ومع اتفاق غالب أصحاب الشأن من العاملين في حقل التجارة والاستيراد والتصدير على أهمية القرار، فإنهم يجمعون على حاجته لمزيد من التوضيح والمعالجة الفنية، إذ لا يستقيم الحديث كما يرون عن منع التجار الأجانب من الوجود في الأسواق وممارسة عمليات البيع والشراء في ظل بلد مفتوح استقبل خلال الأعوام الأخيرة آلاف اللاجئين الفارين من الحرب في سوريا واليمن وجنوب السودان، يعمل غالبهم في التجارة والاستثمارات ذات الصلة المباشرة بالناس في الشارع.

ويقول الأمين العام لغرفة المستوردين في السودان إن قرار منع الأجانب من ممارسة العمل التجاري في البلاد، خطوة "موفقة"، لكن نجاحها رهين بتعديل قانون سجل المصدرين والمستوردين لعام 2008، قبل أن يكشف تكوين لجنة فعليا بأمر الوزير لتعديل القانون.

ويشير في تصريح له الثلاثاء إلى أن الغرفة قدمت رؤية متكاملة لتعديل القانون من شأنها التأثير الإيجابي على تنظيم عملية التجارة الخارجية وإيقاف ظاهرة تأجير السجلات وتجارة الأجانب بصورة نهائية.

أجانب يعملون خلف ستار وبحسب مصدر وثيق الصلة بملف وزارة التجارة، فإن القانون في السودان لا يسمح للأجانب بالعمل في التجارة، ويشترط في حالة الشركات ألا تقل نسبة ملكيتها لأسماء سودانية عن 51%.

ويؤكد للجزيرة نت أن غالب الأجانب العاملين في التجارة بالسودان يستخدمون رخصا وسجلات تجارية مؤجرة يملكها سودانيون، وهو ما يعني صعوبة السيطرة على نشاط الأجانب أو الحد منه بوقف الخسائر في حصائل الصادر ما لم تصدر معالجات فنية وجذرية حاسمة.

ويرى المحلل الاقتصادي خالد التجاني النور -في حديثه للجزيرة نت- أن القرار كان صدر في عهد النظام السابق لكنه لم يطبق بشكل فعال، ويشير إلى أن الأجانب يتكاثف وجودهم في أسواق المحاصيل حيث تحتدم المنافسة على شراء القمح والصمغ والسمسم، وهي من السلع ذات العائد المالي الكبير عند التصدير.

ويضيف أن أغلب الوجوه التي تعمل على الشراء غير مقيمة، لذلك تضطر للتخفي وراء أسماء أعمال سودانية حاصلة على رخصة عمل قانونية، ثم يتم تصدير السلعة -أيا كانت- دون أن يعود شيء إلى خزينة البنك المركزي، بينما يكون على التاجر السوداني إلزاما توريد حصائل ما يصدره إلى بنك السودان وهذا ما جعل الشعور متعاظما وسط التجار السودانيين بانتفاء معايير المنافسة.

ويؤكد الخبير الاقتصادي عز الدين إبراهيم للجزيرة نت أن القرار ليس بجديد باستثناء ما ورد فيه من منع "السودانيين بالتجنس" من التجارة، ويرى إمكانية الطعن فيه باعتبار أن المواطن بالتجنس يملك كافة حقوق المواطن العادي.

ويشير إلى أن القرار معقول في جزئية منع الأجانب، لأن ذلك يفتح مزيدا من فرص العمل والتجارة للسودانيين وليس للأجانب، باستثناء الذين يدخلون عبر قوانين الاستثمار فيحق لهم العمل خاصة أن ذلك يتماشى مع اتفاقيات منظمة التجارة العالمية.

ويشدد رئيس شعبة مستوردي الإطارات قاسم الصديق على ضرورة إنفاذ القرار على أرض الواقع حتى تتحقق غاياته، ويضرب مثلا في حديثه للجزيرة بأن سوق الإطارات لم يكن دون تغطية حتى يدخل فيه الأجانب، بل هو متضخم بعرض الإطارات من مختلف الشركات العالمية خاصة الصينية التي هي محور نشاط تجارة الأجانب.

ويقول إن الغرفة التجارية تسجل لديها نحو مئة مستورد للإطارات، فضلا عن الذين يستأجرون السجلات من المواطنين والأجانب، وهم بعيدون عن أعين الضرائب تفاديا للجبايات الضريبية المكلفة والباهظة.

ويؤكد أن فئة مستأجري السجلات التجارية لا تقل عن 40% من حجم التداول بالأسواق المختلفة، مشيرا إلى أنهم يسهمون في رفع الأسعار بالسوق الموازية للعملات الأجنبية عبر التعامل بأرقام كبيرة، لأنهم أصلا متهربون من الضرائب.