يشبّه مراقبون ما يحصل مع عون بما حصل مع الرئيس الأسبق اميل لحود
 

الكاتب: طوني بولس

ما يحصل اليوم في محيط القصر الجمهوري اللبناني، يذّكر اللبنانيين بتجربة الرئيس الأسبق إميل لحود عندما واجه شعبه الثائر ضد منظومة الوصاية السورية عام 2005، وأمضى ولايته الدستورية الممددة لثلاث سنوات في عزلة تامة محلياً ودولياً، فحوّل المقر الرسمي لرئاسة الجمهورية، إلى ثكنة عسكرية مدججة بالسلاح والعتاد لقطع مسار الحرية والسيادة والاستقلال.

وما حصل اليوم في 13-11-2019 من موجة شعبية عارمة استنكاراً لما قاله الرئيس عون في إطلالته التلفزيونية أمس، يقارنه عارفون بما حصل في 13-10-1990. اليوم توافدت الجموع مطالبة عون بالرحيل، في حين قبل 29 سنة كانت تتوجه الحشود لدعمه قبل ان تطيحه القوات السورية، فيلجأ الى السفارة الفرنسية القريبة من القصر. اللافت ان بعض المتظاهرين الذين اعتصموا قرب بعبدا، هم انفسهم كانوا يتوافدون قبل ثلاثة عقود الى القصر ذاته دعماً له.

مجزرة في جل الديب

يتخوف مراقبون أن يعيد السيناريو نفسه مع الرئيس ميشال عون الذي بات يقيم في "بيت الشعب" في وقت يطوقه الشعب بتظاهرات غير مسبوقة تطالبه بالاستقالة، فيما تقوم آلاف العناصر العسكرية بالحماية، خوفاً من غضب الشارع الذي بات محقوناً ويُحمّل رئيس البلاد مسؤولية سفك الدماء التي بدأت مع الضحية الاولى "للثورة" علاء بو فخر، والتي كادت أن تتحول إلى مجزرة في منطقة جل الديب حيث فتح أحد أنصار الرئيس عون النار باتجاه المتظاهرين، وسط معلومات عن توجه عناصر من حزب الله في منطقة "رويسات المتن" (القريبة من جل الديب) مع مجموعات مناصرة للتيار الوطني الحر لفتح الطريق الساحلي المقفل من قبل المتظاهرين بالقوة والسلاح.

العزلة العربية والدولية

وفي وقت دخل عهد الرئيس عون منتصف ولايته ولم يتبق منها سوى ثلاث سنوات، يقارن العديد من المتابعين السنوات المقبلة لعون بنهاية عهد الرئيس الأسبق إميل لحود لناحية العزلة العربية والدولية، حيث يشير هؤلاء إلى أن في زيارته الأخيرة لنيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة برزت "العزلة" بشكل واضح حيث لم يستطع الوفد اللبناني أن يلتقي سوى مع الرئيس الإيراني حسن روحاني المعزول أيضاً، كما أن العلاقات العربية مع لبنان في أسوأ أيامها.

وتقول أوساط سياسية إن إميل لحود أحاط نفسه بالأجهزة الأمنية التي كان النظام السوري حينها يسيرها من خلال قادتها وهم الضباط الأربعة وأبرزهم مدير عام الأمن العام الأسبق النائب الحالي جميل السيد، في حين يحصن عون نفسه من خلال ما سمي بـ "خلية الأزمة" المؤلفة من صهره الوزير جبران باسيل، ووزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية سليم جريصاتي، ووزير الدفاع الياس بوصعب المقرب من حزب الله والنظام السوري.

باسيل يسحق عون

في سياق متصل، يقول قيادي سابق في التيار الوطني الحر إن "ضغوطات العالم بأسره لم تستطع أن تسحق الرئيس عون، إلا أن جبران باسيل بعنجهية واستغلاله لموقع عون أوصله إلى نهاية مأسوية"، مضيفاً أن الرئيس عون بات في قصر الشعب معزولاً عن شعبه، "شعب لبنان العظيم يريد إسقاطه".

ويرى القيادي السابق أن عهد الرئيس عون قد سقط ولم يعد بالإمكان إنقاذه، مطالباً عون بالاستقالة لحفظ الحد الأدنى من الصورة التي أحبه بها أنصاره.

ويوضح "لا نريد أن نرى الرئيس عون البطل بصورة المستبد الظالم الذي يتجاهل الشعب الثائر ضده، ولا نريد أن يتحمل الدماء الذكية التي قد تسفك في الشارع نتيجة التشويش الممارس عليه من مجموعة الوصوليين التي تحيطه".

الاستقالة

في المقابل، يشير المصدر العوني السابق إلى أن المطالبات بإسقاط الرئيس لحود كانت فئوية وسياسية، ما كان يعطيه حداً من مشروعية الصمود بوجه شعبه وبخاصة أن معظم المسيحيين انكفأوا حينها عن المطالبة بإسقاطه حماية لموقع الرئاسة، أما اليوم فالأمر مختلف تماماً حيث باتت الثورة الشعبية عابرة للطوائف والمناطق، والشعب يطالب بإسقاط من يعتبرهم رموز الفساد والاستبداد، ولم تعد الحصانة الطائفية لأي موقع قادرة على تأمين الحماية.

ويضيف، "من غير المقبول أن يدفع اللبنانيون ثمن الخلاف على "الوراثة" في عائلة عون، بين بنات الرئيس وأصهرته"، ناصحاً الرئيس ميشال عون الاتعاظ من الشيخ بشارة الخوري، بطل الاستقلال الأول الذي خضع إلى ثورة 1952 البيضاء وتقدم باستقالته، مؤكداً "أن كل معطيات الاستقالة باتت متوافرة وهي بكل تأكيد أفضل من أن يمضي الثلاث سنوات المقبلة وحيداً محاصراً ومعزولاً".

ملفات الانتقام... والسرية

من جهة ثانية، يشير مصدر قضائي رفيع إلى أن مسؤولين كباراً طلبوا منه فتح ملفات لسياسيين ورجال أعمال معارضين للرئيس عون كوسيلة للضغط على الانتفاضة الشعبية وإظهار بعض داعميها كجزء من عملية الفساد المستشري في لبنان وتعويم الفريق الموالي للسلطة، موضحاً أن القضاء اللبناني يتعرض إلى ضغوط كبيرة من "العهد"، وبخاصة أولئك الذين تم تعيينهم لقربهم من أحزاب السلطة كرد للجميل.

وأكد المصدر نفسه أن هناك استحالة لمكافحة الفساد في ظل عدم وجود فصل للسلطات واستقلالية، وأنه لو توافر ذلك لكانت هذه المرحلة مؤاتيه لمنع الفساد والنهب من جهة، ومواجهة محاولات القمع والاستبداد والتعدي على الحريات العامة من جهة أخرى.

ويضيف المصدر القضائي "لو كان القضاء مستقلاً لرأينا الكثير من الوجوه الحالية في السجون، ولكان الشعب نال مطالبه بقوة القانون".

وعن المعلومات المتداولة بقيام مسؤولين في الدولة بتهريب أموالهم في الأشهر الأخيرة إلى دول أجنبية، أكد أن هناك استحالة حالياً للتأكد من هذه المعلومات، كاشفاً أن السرية المصرفية التي يحاول البعض الاستناد إليها كوثيقة براءة هي خدعة كبيرة لا يمكن التعويل عليها سوى للبروباغندا الإعلامية والتشويش على الرأي العام.