أيامٌ قليلة ويُتمّ الحراك شهره الأول، فيما الحلول التي يمكن ان تنفِّس الغضب الشعبي ما زالت بعيدة، مع استمرار بعض السلطة الحاكمة في التعامل مع المتغيّرات الخطيرة في البلاد في إطار حالة إنكار للمطالب التي يحملها الناس في ساحات التظاهر.
 

ثمة تناقض واضح وعميق في المسار التي تسلكه السلطة وكذلك في المسار الذي يسلكه المتظاهرون؛ اول أوجه هذا التناقض هو التعامل مع تطوّر الأحداث بين شركاء الأمس في الحكم، الذين ما زالوا مصرّين على اعتماد نفس قواعد اللعبة السياسية عبر مقاربة الأزمة السياسية - الاقتصادية بنفس منطق المحاصصة بكل تشعّباتها الحكومية والرئاسية.

حتى مكافحة الفساد بالنسبة إلى بعض السلطة، هي مجرّد شعار لتصفية حسابات سياسية، وسط تجاهل تام، يصل إلى حدّ إنكار المسؤولية المشتركة، عن الحال المزرية التي وصلت إليها البلاد، أقلّه خلال السنوات الثلاث التي تلت التسوية الرئاسية.

في المقابل، باتت الشريحة الكبرى من المحتجين، تسير وفق نهج أكثر وعياً لمكامن القوة والضعف التي يمكن من خلال الموازنة بينها، الوصول إلى الأهداف المشتركة لدى كل اللبنانيين الراغبين في حياةٍ أفضل، أو على الأقل إلى الحد الأدنى من تلك الأهداف، وفي طليعتها ذلك الهدف المشروع بمكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين والمرتكبين وصولاً الى استعادة ما نُهب من الشعب طوال ثلاثين سنة.

وتبعاً لذلك، باتت هذه الشريحة من المحتجين، أكثر قدرة على فهم الواقع من أجل تغييره، فاستطاعت إلى حدٍ كبير أن "تطهّر نفسها" من ذوي الأجندات السياسية والحزبية، وتراجعت عن تكتيك قطع الطرقات، بعدما كاد هذا التكتيك يضعها في مواجهة مع شرائح اجتماعية واسعة من الوان طائفية ومناطقية مختلفة، تعاني الوجع نفسه، وتتعاطف ضمناً مع حركة الاحتجاج، ولكن همّها الاول هو انّها تريد أن تعيش، وتؤمّن حياتها اليومية بالحد الأدنى من الضرورات.

عملياً، نجحت هذه الشريحة الواسعة من المحتجين في فرض نفسها كحالة موجودة ليس في الامكان تجاهلها او القفز فوقها. اي انّ انتفاضة 17 تشرين الأول افرزت واقعاً جديداً، لم يكن في حسبان أحد، وهو أنّ الشارع بات عنصراً فاعلاً في المعادلة، ووضع تحرّكات السلطة الحاكمة واداءها تحت مجهره، وهو ما مكّن الشريحة الواسعة من المحتجين من تسجيل نقاط يومية على هذه السلطة، ما جعلها في نظر الشريحة الواسعة من اللبنانيين، العنصر الذي يمكن الرهان عليه لإحداث تغيير في هذه السلطة وإحداث انقلاب في العقلية الحاكمة منذ سنين طويلة.

على الخط الموازي، يبدو الشركاء الألدّاء في الحكم متردّدين، او بمعنى ادق، عاجزين حتى على التفاهم على الحد الأدنى لحماية ليس مصالح الوطن، بل مصالحهم المشتركة، في ما يعكس اهتراء المنظومة الحاكمة حتى ما قبل 17 تشرين.

ولعلّ هذا الارباك على مستوى السلطة يتبدّى في الفشل في تشكيل حكومة جديدة، بعدما قلب الشارع الطاولة على رأس شركاء الأمس، وفيما هم لا يزالون مصرّين على مقاربة الملف الحكومي كما في محطات التأليف والتشكيل الطويلة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، وآخرها معضلة تشكيل الحكومة الحريرية الأخيرة، كما وأن شيئاً لم يتغيّر في البلاد.

من هنا، يجد أهل السلطة انفسهم وسط معضلة غير مسبوقة. هم لم يعودوا قادرين على ادارة اللعبة السياسية بنفس القواعد المحاصصية السابقة، في ظل الأزمة الاقتصادية التي كشفت عن خطورة السياسات المعتمدة منذ سنوات طويلة، وكذلك في ظل انفجار الشارع الذي يبدو انّ قراره هو المضي في المعركة.

على انّ المثير للدهشة هو انّهم، اي اهل السلطة، وفي ظل عجزهم عن إعادة ادارة اللعبة كما كان عليه الحال قبل 17 تشرين، هو جنوحهم نحو المكابرة وسياسة الإنكار للأمر الواقع الجديد الذي فُرض بعد 17 تشرين. وبناءً على هذه المكابرة والانكار يقفز بعض اهل السلطة فوق مستوى الأزمة القائمة، ويحاول الهروب إلى الأمام، لإنقاذ ما بقي من أوراق رئاسية كانت أو حكومية، رغم انّ هذه الاوراق قد اصبحت محترقة!

ضمن هذا السياق تندرج الصعوبة الكبرى في تأليف حكومة جديدة تلبّي ولو بالحد الادنى مطالب الشريحة الواسعة من المحتجين. وخصوصاً انّ التحرّكات الآيلة إلى تجاوز الأزمة القائمة محكومة بطموحات سياسية تتجاهل الحقيقة المرّة بأنّ الرئيس المقبل سيكون رئيساً على "حطام" وطن إذا ما استمر النهج على ما هو عليه حالياً، وهو ما تعكسه الكيدية التي باتت تتحكّم بكل مفاصل الحراك السياسي، بدءاً باستبعاد رئيس حكومة (ولو كان مستقيلاً) عن لقاء اقتصادي يُفترض أن يكون على قدر من الأهمية في مواجهة الأزمة، وصولاً إلى التسريبات بشأن استبعاده عن التشكيلة المقبلة، برغم الادراك الراسخ لدى الجميع بأنّ خطوة كهذه لا يمكن إلّا أن تُشعل الشارع بشكل دراماتيكي.

كل ذلك يجعل من الصعب اليوم توقّع أي تغيير في سلوك أهل الحكم. فالأجندات الخاصة هي الحاكمة لكل التحرّكات والتحالفات والخيارات، حتى الأقل صعوبة منها. ولن يتأخّر الوقت كثيراً حتى يكتشف الجميع أن احداً منهم لن يكون قادراً على حمل الثقل، أو ادارة الخراب، ما قد يفتح الباب أمام سيناريوهات لا يمكن حتى الآن توقّع أيّ منها، طالما أنّ السيولة في المواقف باتت تُقاس بالساعات لا حتى بالأيام. يبقى السؤال... هل انعدمت المخارج؟

اهل السياسة يقولون انّ الابواب لم تُقفل بعد، والمفاوضات جارية لكسر الحلقات المعقّدة والمستعصية، ولكن في مقابل هذا الكلام اجابتان من وحي الواقع القائم، تحدّدان مخرجين:

الاول، ان تنزل السلطة الحاكمة عن شجرة الانكار، وتسلّم بالمتغيّرات التي حصلت، لا بل ترضخ وتقرّ لمرة اخيرة بأنّ الاداء المُتبّع من قِبلها على مدى السنوات الماضية، انفجر غضباً في الشارع ووضع البلد امام امتحان مصيري، كما هو عليه الحال في هذه الايام، وتقدّم بالتالي الاستجابات السريعة والملحّة لمطالب المحتجين. علماً انّ الصورة في هذا الجانب لا توحي بمبادرات سلطوية جدّية، ذلك انّ الصدمة الشعبية لم تبدّل المقاربات التقليدية للأزمة، بدليل أنّ الحكومة الجديدة ما زالت تدور وتدور وتدور ضمن اطار المناخ السابق لانتفاضة 17 تشرين الأول.

الثاني، ان يسلّم المحتجون بأنّ الأمل قد فُقد نهائياً بالسلطة الحاكمة، فيذهبون الى المعركة معها تصعيداً حتى النهاية، تحت عنوان "الانهيار أمامكم والفاسدون وراءكم".

الاجابتان متباعدتان، فمن جهة لا تبدو السلطة في وارد التنازل للمحتجين، إذ انّها تخشى ان يكون تنازلها وبالاً عليها ومحطماً لها ولمكتسباتها. ومن جهة ثانية لا يبدو المحتجون بعيدين عن خيار المعركة ضد هذه السلطة. الا انّ الجامع المشترك بين هاتين الاجابتين هو انّ الذهاب الى اي منهما تترتب عليه اثمان باهظة ومكلفة جداً على البلد واهله.