يبدو أنّ الوقت ينفد أمام لبنان بعد ثورة 17 تشرين الاول، والتي أثبتت من دون شك الوضع الرديء الذي وصلت اليه الأمور وفي ظل استنفاد جميع الخيارات بما فيها دعم البنك المركزي.
 

تبدو الحكومة اللبنانية وكأنها تتخبّط لوحدها في ظل مشهد سيئ للغاية وديون بلغت نسبتها 150 بالمئة على الناتج القومي، ونمو بات منخفضاً، وخدمات أقل ما يُقال فيها انها سيئة للغاية ولا تقارن حتى بدول دون خط الفقر بما فيها الكهرباء والمياه والنفايات والبنية التحتية، علماً اننا نعاني وجوداً بات من الملح انهاؤه لمليون ونصف مليون لاجىء سوري.

أضف الى ذلك أن هناك قطاعاً مصرفياً ينبئ بالكارثة في غياب التقديمات للعملاء، وفي أجواء صار الدولار هاجس الجميع وسعره غير معروف البتة، وفرض قواعد تعسفية على المودعين مثل حظر التعامل بالدولار بعد الساعة الخامسة ومنع التحويلات الى الخارج.

من الواضح أنّ الودائع اذا ما سحبت من المصارف تشكل خطراً... كلها أمور يتهامس بها الجميع من دون الجرأة على القول انّ البلد في حال إفلاس. الأمر الاكيد أنّ البلد في حاجة الى نمو اقتصادي وتقليص العجز، علماً أنّ الحكومة لم تحقق سوى تقدم ضئيل في التقليل من مصاريف القطاع العام أو تخفيض إعانة الدولة لشركة الكهرباء، والتي بلغت حوالى 2 مليار دولار في السنة أو ما يعادل 4 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي.

كما انّ خطة الحكومة لموازنة 2020 جاءت تحت ضغط الشارع، وهي مرحلية ولا تحلّ المشكلة، لاسيما أنّ أبواب الهدر والفساد لا تزال هي هي، وهناك محاولات من الدولة لإيجاد عجز صفر في المئة بالموازنة لإقناع المؤسسات المانحة بالافراج عن أموال سيدر. لذلك، قد تكون حكومة تكنوقراط خارج السرب السياسي الحالي أجدى بعملية الاصلاح ولَملمة ما خلّفته حكومات متعاقبة منذ العام 1990 ولغاية الآن.

وقد يكون الحل الوحيد والملاذ الاخير أن نلجأ الى صندوق النقد الدولي للمساعدة، علماً أنّ شروطه قاسية للغاية وتطبّق على الدول النامية من دون استثناء وبنفس الوتيرة، وأهمها قد تكون الخصخصة وتدنّي سعر صرف العملة واقتطاع معاشات موظفي القطاع العام، ولكنها أمور لا تطبق في لبنان، لاسيما أنّ الفساد في الطبقة الحاكمة يجعل من اي عملية ضبابية غير موثوق فيها، خصوصاً أنهم سوف يحاولون الالتفاف على أية عملية من أجل أرباح خاصة وحزبية باتت معروفة للجميع.

قبل الاضرابات الأخيرة كان لبنان يتجه نحو أزمة اقتصادية، وقد برز للعيان إفلاس الدولة السياسي عندما وضعوا ضرائب على أمور تافهة، لكنها زادت من غضب الشارع ومن دون المساس بالأمور الكبيرة والهدر.

وحديث رئيس الحكومة المُبهم عن إنشاء لجنة لدراسة خصخصة شركات الاتصالات وخفض أجور الوزراء والنواب بنسبة 50 بالمئة جاء متأخراً ولا يفي بالغرض المطلوب. الأمر الأكيد أنّ النمو الضعيف وفقدان الدولار من الأسواق زاد الطين بلّة، كذلك اضطرار البنك المركزي للتدخل ومنع حدوث عجز في السلع الاساسية وتكاليف الاقتراض والعائدات على السندات المستحقة في العام 2025، والتي ارتفعت بنسبة 2.4 بالمئة في غضون 5 أيام أثار موجة ذعر لدى اللبنانيين. أضف الى ذلك عدم ثقتهم بأيّ من الاصلاحات التي وعد بها رئيس الحكومة، علماً أنها أتت متأخرة ولا تفي بالغرض المطلوب.

جميع الاحتمالات واردة، والسؤال المطروح: كم هو مدى الاحتياطي المركزي اليوم وكم استخدم منه في الاسابيع القليلة الماضية؟ علماً أنّ هذا الاحتياطي مقابل جدول زمني محدود لدفع استحقاقات، أهمها 1.5 مليار دولار استحقاق السندات الدولارية في نهاية تشرين الثاني وعوائد السندات في السوق الثانوية. على سبيل المثال اضطرّت مصر في العام 2016 الى خفض عملتها، عندما خفض الجنيه بنسبة النصف مقابل 12 مليار دولار لبرنامج قروض من صندوق النقد الدولي.

وعلى رغم الألم الذي تسبّب به، الّا أنّ تدفقات الاستثمار الأجنبي في السنوات اللاحقة ساهمت الى حد بعيد في التعويض عن هذا الأمر.

وقد يكون لبنان يواجه نفس السيناريو اذا ما لجأ الى صندوق النقد الدولي، وهو سيناريو بات أقرب الى الواقع الا اذا تمّ الافراج عن أموال سيدر واستطاع لبنان الخروج من محنته. فالمستثمرون في حالة انتظار حكومة جديدة قد تلجأ الى صندوق النقد الدولي وتتحمل عواقب تخفيض سعر صرف العملة.

إنه سباق مع الوقت، وعلى السياسيين والمعنيين في شؤون البلد الاقتصادية الانتباه الى هذه الأمور، ومحاولة الاستفادة من هذه الفترة العصيبة والّا وقع الافلاس، وما ينتج عنه من تدخل صندوق النقد الدولي وبشروطه.