نعترف أمام الله أننا لم نكن نفرز، لكن ليس الحديد من الكرتون، أو الخسّ من موزات البقر، أو السومون من المدردرة...

نعترف أمام الله أننا لم نكن نفرز بعقولنا، لم نكن نفرز الكذب من الوعود، والإصلاح من الفساد، والتطوير من السرقة. نعترف أننا خلال آخر 30 سنة أو أكثر، توقّفنا بشكل شبه تام عن استعمال عقولنا، واعتمدنا على خطابات السياسيين ووعودهم، وكان القسم الأكبر منّا ينتظر من الزعماء تقديم شيء، أي شيء، مقابل تضحيات الشهداء والجرحى والمصابين الذي يتاجرون بهم من تحالف إلى آخر... وكلّ ما حصلنا عليه كان كلمات.

صحيحٌ نحن لم نكن نفرز، وقد اعترفنا بذلك للتوّ .. وإنما منذ 28 يوماً تقريباً بدأنا عملية الفرز الحقيقية. فقد فرزنا الطائفية من المواطنة، والوحدة من كذبة العيش المشترك، والحرّية من الولاء الأعمى.

أنزلنا قبضاتنا الممسكة بأعلام الأحزاب المجرمة وأيدينا الرافعة صوَر الزعيم الكاذب، أطفأنا قلوبنا المعتادة على دراما الحرب الأهلية ورومنسية البطولات المنسية، سكّرنا آذاننا على خطابات التجييش وحرمنا أفواهنا من شعار «بالروح بالدم»... وانتبهنا، ولو متأخرين أننا لم نكن نفرز، وقرّرنا أن نبدأ استعمال عقولنا، قرّرنا أن نفرز عليكم، أن نفرز على ألاعيبكم وفسادكم واحتلالكم لمساحات حقوقنا واغتصابكم لحريتنا وانتدابكم لوطنيتنا.

بدأنا معركة تحرير أنفسنا منكم، وتحرير أولادنا من وعودكم، ومستقبلنا من جشعكم، الذي ما عاد يعرف حدوداً ولا أخلاقاً ولا نهاية.

لأننا لم نكن نفرز، كنتم لا تريدون أن تسمعوا صوتنا.. ولكن بعد أن بدأنا الفرز الحقيقي، يمكننا أن نقول لكم الآن «ما تسمّعونا صوتكن»، إرحموا المنابر من خطاباتكم الفارغة وارحموا المؤتمرات الصحافية من وعودكم الكاذبة.. ارحموا أنفسكم من غضب الناس عليكم، وارحموا الناس من كرهها لرائحة الفساد التي تفوح من أفواهكم.

وإذا كنتم تريدون معرفة مشاعر الناس الحقيقية، الناس التي تحمل العلم اللبناني حصراً، وتهتف بصوت واحد مطالب واضحة وموحّدة، وتصرخ لبنان لبنان، وليس فلاناً وعلتاناً... فهذه الناس التي يزداد عددها كلّ يوم، وتزداد مساحات انتفاضتها وتكثر مناطق تجمّعاتها، لا تريد أن تسمع كلامكم، لأنّها ببساطة لن تصدّق شيئاً منه.

وكلّ ما تقولونه من مواقعكم السياسية المخلوعة أو المنبوذة لا يخدم سوى في تجييش وتحميس قواعدكم الشعبية التي لم تبدأ الفرز بعد، وسيزيد كره الناس لكم... كلّ كلمة تقولونها تزيد قناعة الناس بصوابية خياراتها، وكل وعد تطلقونه يزيد الناس إصراراً على المضي في الانتفاضة السلمية.

الناس أصبح لديها حساسية مفرطة على الخطابات السياسية والوعود الكلامية، حساسية لا تنفع معها الأدوية الأميركية والفرنسية والصينية، حساسية لا تشفيها إلّا القرارات الواضحة والنزيهة، ولا يخفّف حدّتها إلّا سيف القضاء العادل، ولا يقضي عليها سوى طقم سياسي خلنج يبدأ مشواره بمخافة الشارع وينصاع لإرادة الناس.

ما تسمّعونا صوتكن.. واستمعوا إلى الناس الحرّة تتكلّم ما تسمّعونا صوتكن.. واستمعوا إلى إرادة الشارع تنتفض

ما تسمّعونا صوتكن.. واستمعوا إلى حناجر الطلاب وطناجر الأمهات

ما تسمّعونا صوتكن.. سمّعونا قراراتكم ما تسمّعونا صوتكن.. سمّعونا إنجازاتكم

ما تسمّعونا صوتكن.. سمّعونا أموالنا تعود إلى خزينة الدولة، وحقوقنا إلى جوارير القضاء، وحريّتنا إلى ساحات الوطن

ما تسمّعونا صوتكن حتى ما تفيق الثورة الحقيقية من النوم.